الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن
والاه.. وبعد فإن الله تعالى أتاح لنبيه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء
والمعراج فرص الاطلاع على ملكوته تثبيتاً له, وليعلمه بقيمته وقيمة أمته ورسالته.
ومما جاء في هذه الرحلة أن سيدنا جبريل عليه السلام قدم للنبي صلى الله عليه وسلم
لبناً وخمراً فتناول اللبن وترك الخمر كما جاء في حديث البخاري عن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لَيْلَةَ أُسْرِيَ
بهِ: لَقِيتُ مُوسَى، قالَ: فَنَعَتَهُ، فَإِذَا رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قالَ -
مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ، كَأنَّهُ مِن رِجَالِ شَنُوءَةَ، قالَ: ولَقِيتُ
عِيسَى فَنَعَتَهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: - رَبْعَةٌ أحْمَرُ،
كَأنَّما خَرَجَ مِن دِيمَاسٍ - يَعْنِي الحَمَّامَ -، ورَأَيْتُ إبْرَاهِيمَ
وأَنَا أشْبَهُ ولَدِهِ به، قالَ: وأُتِيتُ بإنَاءَيْنِ، أحَدُهُما لَبَنٌ والآخَرُ
فيه خَمْرٌ، فقِيلَ لِي: خُذْ أيَّهُما شِئْتَ، فأخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ،
فقِيلَ لِي: هُدِيتَ الفِطْرَةَ، أوْ أصَبْتَ الفِطْرَةَ، أما إنَّكَ لو أخَذْتَ
الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ... وفي حديث البخاري عن
مالك بن صعصعة رضي الله عنهما:
أن نبي الله صلى الله عليه و سلم حدثهم عن ليلة أسري به :" بينما أنا في الحطيم
وربما قال في الحجر مضطجعا إذ أتاني آت فقد - قال وسمعته يقول فشق - ما بين هذه إلى
هذه - فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به ؟ قال من ثغرة نحره إلى شعرته وسمعته
يقول من قصه إلى شعرته - فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبي
ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض - فقال له الجارود هو
البراق يا أبا حمزة ؟ قال أنس نعم - يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي
جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا ؟ قال جبريل قيل ومن معك ؟ قال
محمد قيل وقد أرسل إليه ؟ قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء.. الحديث. ولنا مع
هذا الحديث والحادثة وقفات: -إن الفطرة أصل الخلقة وهي في الحديث رمز إلى الإسلام
وشعائره ومصادره بيضاء نقية, والخمر رمز لمطموساتها من المخالفات والمعاصي
والسيئات؛ عن أبي هريرة أنه كان يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما من
مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة
بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟" ثم يقول أبو هريرة:" واقرؤا إن شئتم { فطرة
الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } والفطرة قال فيها المازري: قيل هي
ما أخذ عليهم في أصلاب آبائهم وإن الولادة تقع عليها حتى يحصل التغيير بالأبوين
وقيل هي ما قضى عليه من سعادة أو شقاوة يصير إليها وقيل هي ما هيئ له ( كما تنتج
البهيمة بهيمة ) بضم التاء الأولى وفتح الثانية ورفع البهيمة ونصب بهيمة ومعناه كما
تلد البهيمة بهيمة جمعاء أي مجتمعة الأعضاء سليمة من نقص لا توجد فيها جدعاء وهي
مقطوعة الأذن أو غيرها من الأعضاء ومعناه أن البهيمة تلد بهيمة كاملة الأعضاء لا
نقص فيها وإنما يحدث فيها الجدع والنقص بعد ولادتها. فالأولاد الصغار نفسهم بعد
ولادتهم الصدق, ونظرتهم البراءة, وقسماتهم الأمانة, وفلتاتهم الحب, كيف لا وهم حديث
عهد بفطرة لم تلوث بملوثات الحياة كماء السماء حديث عهد بالله. وأعداء الأمة لا
يريدون لفطرة أبنائها أن تظل سوية فهم في شغب مستمر وعمل دؤوب من أجل أن يلوثوا
إناءها بشهواتهم وقاذوراتهم نراهم في الصباح والمساء على مواقع التواصل وشاشات
التلفاز وفي كل مكان يزينوا الشهوات والمعاصي والسيئات, ويلقوا عليها بالشبهات تلو
الشبهات, يعملون على غواية الأمة حتى تنزل إلى مستنقع الهاوية والذل والهوان, لأنهم
يعلمون أن قيمة هذه الأمة في فطرتها, وأنها إذا تخلت عنها انتصروا وسادوا وقادوا,
وإذا تمسكت بفطرتها انتصرت. - من مظاهر لطف الله بهذه الأمة وتوفيقه لنبيه صلى الله
عليه وسلم أن منحهم أعظم هدية وأجمل أعطية وخير نعمة وهي نعمة وأعطية الهداية؛ فأن
يهدي الله عبده للفطرة السوية, وأن يقيه ملوثاتها فهو الفضل والشرف والخير العميم؛
دعا النبي صلى الله عليه وسلم لجرير البجلي رضي الله عنه :" اللهم ثبته واجعله
هادياً مهدياً", ودعا لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه:" اللهم اجعله هادياً
مهدياً واهد به" أخرجه الترمذي وصححه بن حبان.., ودعا لقومه على العموم:" اللهم اهد
قومي فإنهم لا يعلمون". وأمة الإسلام أمة مهدية لا تجتمع على ضلالة ولا غواية لأنها
أمة الهداية ونبيها صلى الله عليه وسلم هاد مهدي, وحين تنزلت عليه هداية الله لم
يرفضها وأقبل عليها بدليل أن الوحي عندما فتر حزن على تأخره شوقاً ورغبة. وللأسف أن
من بين أبناء هذه الأمة من يستبدل هذه الهداية وهذه الهدية بملوثات فيطمسها ويستبدل
الذي هو أدنى بالذي هو خير, فيستجيب لأهوائه وملذاته فيغوى وينحرف.. (أَفَرَأَيْتَ
مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى
سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ
بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) الجاثية: 23..., والعجيب والمستغرب إصراره
على السير عكس الفطرة السوية, وما يريحني ويهدأ من تعجبي أن الطيور على أشكالها
تقع, وكل إلى طبعه عائد, عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:«
إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم
الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب »... وهنا يأتي صدق
التشبيهات لمن ترك الفطرة وذهب إلى ملوثاتها.. (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا
التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا
بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ
أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ
تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)
وفي السنة عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "مثل المنافق كمثل
الشاة العائرة بين الغنمين تعير في هذه مرة وفي هذه مرة لا تدري أيها تتبع" أخرجه
مسلم والنسائي. والعائرة: المترددة الحائرة لا تدري أيهما تتبع (تعير) أي تتردد
وتذهب.. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-
« إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ
وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِىٌّ وَفَاجِرٌ شَقِىٌّ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ
وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ
فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ
الْجِعْلاَنِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ ». أخرجه أبو داود. والجعلان
الخنفساء لا تحب الطيب وتعشق الروث والمخلفات.., فهذا قلبه معوج فكيف يتناول فطرة
سوية مستقيمة. -إن الفطرة إذا أخذها الإنسان بصدق وتجرد وأصبحت في جوفه إدماناً
أسكرته عن لذائذ الحياة وأهوائها, فهي الفطرة النقية الصافية الطاهرة طهارة اللبن
إذا انساب من الضرع, من ذاق طعمها مرة فلن يتركها أبداً.. يقول تعالى: (فَأَقِمْ
وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا
لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ
وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا
شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) الروم 30- 32. -وشعائر الإسلام
لا تصطدم مع الفطرة, فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار السهل الطيب السائغ
الشفاء للشاربين السليم من العطن, الصالح لهم في معاشهم ومعادهم, فكذلك شعائر
الإسلام صالحة لكل زمان ومكان ولكل الأشخاص فهو دين اليسر والاعتدال والوسطية. - شق
صدر النبي صلى الله عليه وسلم قبل الاسراء وغسل بماء زمزم وحشي إيماناً, ثم شرب
وسقي الفطرة ففتحت السماء أبوابها وأعطاه من أعطياته وأظهر له قيمة عدوه بين هذا
الملكوت, وكشف له عن أماكن معالم الانطلاق بهذه الفطرة, وعرفه زادها ومعوقاتها,
وأعلمه بأعدائها..., ومحال أن تفتح السماء أبوابها لعليل شرب غوايات الحياة وملوثات
الفطرة.., ومحال أن تعطي السماء أسرارها لغاوي قتله الهوى وأسرته الشهوات, عن بن
عباس قال تليت هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ( يا أيها الناس كلوا
مما في الأرض حلالا طيبا ) فقام سعد بن أبي وقاص فقال يارسول الله ادع الله أن
يجعلني مستجاب الدعوة, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:" يا سعد أطب مطعمك تكن
مستجاب الدعوة والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل
منه عمل أربعين يوما وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به", أخرجه
الطبراني في الاوسط, وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها
الناس إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين
فقال { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } وقال
{يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } قال وذكر الرجل يطيل السفر أشعث
أغبر يمد يده إلى السماء يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام
فأني يستجاب لذلك" أخرجه أبو داود... وفي المقابل دعا أبو جهل على النبي صلى الله
عليه وسلم يوم بدر, فما فتحت السماء أبوابها له, قال حينَ الْتَقى القَومُ:
اللَّهُم أقْطَعُنا للرَّحِمِ، وآتانَا بما لا يُعرَفُ، فأَحْنِه الغَداةَ، فكان
المُستَفتِحَ. قال تعالى"إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن
تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين" الأنفال
الآية: 19 -هذه الفطرة من شربها حمته, فهي ترياق حماية ووقاية ففي حديث أم جميل
عندما جاءت تضرب سيدنا محمد بعد نزول تبت يدا أبي لهب عن أسماء قالت : لما نزلت {
تبت يدا أبي لهب } [ المسد : 1 ] جاءت العوراء أم جميل ولها ولولة وفي يدها فهر وهى
تقول : مذمم أبينا أو أتينا - الشك من أبي موسى - ودينه قلينا وأمره عصينا ورسول
الله صلى الله عليه و سلم جالس و أبوبكر إلى جنبه - أو قال معه - قال : فقال أبوبكر
: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك فقال : إنها لن تراني وقرأ قرآنا اعتصم به : {
وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا } [ سورة
الإسراء - أية 45 ] قال : فجاءت حتى قامت على أبوبكر ولم تر النبي صلى الله عليه
وسلم: فقالت يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني قال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما
هجاك فانصرفت وهي تقول : قد علمت قريش أني بنت سيدها. أخرجه الحاكم.. وهذا الحمال
الرباني الذي لقيه لص فقرأ أمن يجيب المضطر إذا دعاه, ففتحت السماء أبوابها وأرسل
الله إليه من يحميه من ملائكته, أخرج الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل -حكى عنه أبو
بكر محمد بن داود الدّينَوَري، المعروف بالدّقّيِّ الصوفي -قال هذا الرجل: كنت
أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزّبَدَاني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على
بعض الطريق، على طريق غير مسلوكة، فقال لي: خذ في هذه، فإنها أقرب. فقلت: لا خبرَةَ
لي فيها، فقال: بل هي أقرب. فسلكناها فانتهينا إلى مكان وَعْر وواد عميق، وفيه قتلى
كثير، فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل. فنزل وتشمر، وجمع عليه ثيابه، وسل سكينا
معه وقصدني، ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله وقلت: خذ البغل بما عليه.
فقال: هو لي، وإنما أريد قتلك. فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه
وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين؟ فقال: صل وعجل. فقمت أصلي فَأرْتِج عليَّ
القرآن فلم يَحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفًا متحيرًا وهو يقول: هيه. افرُغ.
فأجرى الله على لساني قوله تعالى: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ
وَيَكْشِفُ السُّوءَ } ، فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي، وبيده حربة، فرمى
بها الرجل فما أخطأت فؤاده، فخر صريعًا، فتعلقت بالفارس وقلت: بالله مَنْ أنت؟
فقال: أنا رسول[الله] الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء. قال: فأخذت البغل
والحمل ورجعت سالما. تفسير بن كثير ج6, ص205. وعن سعيد بن عنبسة بن سعيد قال :
بينما رجل جالس في الكعبة وهو يعبث بالحصا ويخذفها إذ رجع حصاة منها فصارت في أذنه
فعالجوه بكل الحيل فلم يقدروا على إخراجها فبينما هو ذات يوم جالسا إذ سمع قارئا
يقرأ هذه الآية : { أمن يجيب المضطر إذا دعاه و يكشف السوء } فوثب الرجل فقال : يا
رب أنت المجيب و أنا المضطر اكشف ضر ما أنا فيه قال : فندرت الحصاة من أذنه.. ذكره
البيهقي في شعب الإيمان.. -من تناول هذه الفطرة كساه الله هيبة ووقارا مهما قل
ماله, وفتح له أبواب من المعارف وأطلعه على ما يحب, وساق إليه بشرياته عن قتادة
قال: إن الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين" أخرجه الطبراني, فعن مطرّف بن عبد الله
قال : بعث إلى عمران بن الحصين في مرضه الذي توفي فيه قال : يا مطرف إني كنت
محدِّثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي. فإن عشتُ فاكتم عني وإن مت فحدث بها
إن شئت، "إنه قد سلّم على حتى اكتويت فلما اكتويت تركت فلما تركت الكي عادَ
إليّ".., ويشرح النووي الحديث السابق قائلا: إن عمران بن الحصين كانت به بواسير
فكان يصبر وكانت الملائكة تسلّم عليه فلما اشتد ألمه اكتوى فانقطع سلامهم عليه ثم
ترك الكي حتى مات فعادت الملائكة تسلّم عليه.. وروى ابن سرين كذلك قصة مصافحة
الملائكة لعمران فيقول : سقى بطن عمران ثلاثين سنة كل ذلك يعرض عليه الكي فيأبى
ويصبر على الألم ويقاوم وكانت الملائكة تسلّم عليه ولا يخبر الناس بذلك خشية الفتنة
عليهم. فلما كان قبل موته لسنتين ولم يقدر على شدّة الألم عندها اكتوى وأخذ
بالرخصة. فلم تسلم عليه الملائكة. ثم ترك الكي فعاد إليه تسليم الملائكة ولم يلبث
قليلاً حتى مات.., وكما صافحت عمران نزلت على أسيد بن حضير رضي الله عنه... ونحن لو
داومنا عليها وشربنا من آنيتها لصافحتنا الملائكة كما صافحتهم, قال النبي صلى الله
عليه وسلم:" والذي نفسي بيده، لو تدومون على حالكم عندي، لصافحتكم الملائكة
عيانًا". -السكر لذة ونشوة يغيب معها العقل , والادمان رغبة قهرية في استمرار
التعاطي؛ والفطرة السوية بأدواتها عندما تستحكم من الجوارح تسكرها فتغيب فيما
تعاطت, ويكون لدى هذا المرء الرغبة في الاستمرارية لما عاين من جمالها ولذتها. فهو
يطلب المزيد بعد المزيد. وسبب طلب المدمن المزيد هو قوة الفرح بإدراك المحبوب, لما
أدركه ذهب إليه كله فلم يبق لنفسه من نفسه لنفسه شيئاً.. لا ولد ولا والد... ومن
ذلك الرجل الذي قتله شوقه إلى الجنة.. هذا أصابه السكر وأصبح مدمنا لما عاين.
والآخر الذي رباه شيخه على السجود والخشوع فجاء بعد خلوات مع ربه يبكي فرحا ثم قال
لشيخه ركعت فركع قلبي ثم سجدت فسجد قلبي ثم أردت أن أقوم ثانية فلم يرفع معي, قال
يا بني إن القلب إذا سجد فلن يرفع إلا بين يدي الله يوم القيامة..., قال بن القيم:
قيل لبعض العارفين أيسجد القلب؟ قال: نعم، يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم
اللقاء، فهذا سجود القلب، فقلب لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ساجد السجود المراد
منه إذا سجد القلب لله هذه السجدة العظمى سجدت معه جميع الجوارح، وعنا الوجه حينئذ
للحي القيوم، وخشع الصوت والجوارح كلها، وذل العبد وخضع واستكان، ووضع خده على عتبة
العبودية ناظراً بقلبه إلى ربه ووليه نظر الذليل إلى العزيز الرحيم، فلا يُرى إلا
متملقاً لربه خاضعاً له ذليلاً مستعطفاً له يسأله عطفه ورحمته، فهو يترضى به كما
يترضى المحب الكامل المحبة محبوبه المالك له الذي لا غنى له عنه، ولابد له منه. -
سكرة الفرح بلذة الفطرة فوق كل اللذائذ وتهون كل الشدائد؛ ومن ذلك ما أخرجه أبو
داود عَنْ جَابِرٍ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- -
يَعْنِى فِى غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ - فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ فَحَلَفَ أَنْ لاَ أَنْتَهِى حَتَّى أُهَرِيقَ دَمًا فِى أَصْحَابِ
مُحَمَّدٍ فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَنَزَلَ
النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- مَنْزِلاً فَقَالَ مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا
فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ «
كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ ». قَالَ فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلاَنِ إِلَى فَمِ
الشِّعْبِ اضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِىُّ وَقَامَ الأَنْصَارِىُّ يُصَلِّى وَأَتَى
الرَّجُلُ فَلَمَّا رَأَى شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ فَرَمَاهُ
بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ فَنَزَعَهُ حَتَّى رَمَاهُ بِثَلاَثَةِ أَسْهُمٍ ثُمَّ
رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ انْتَبَهَ صَاحِبُهُ فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ
نَذِرُوا بِهِ هَرَبَ وَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِىُّ مَا بِالأَنْصَارِىِّ مِنَ
الدَّمِ قَالَ سَبْحَانَ اللَّهِ أَلاَ أَنْبَهْتَنِى أَوَّلَ مَا رَمَى قَالَ
كُنْتُ فِى سُورَةٍ أَقْرَأُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا. تصور نفسك فقير
معدوم عاشق للدنيا أشد العشق ثم ظفرت بكنز عظيم استوليت عليه آمنا مطمئنا كيف تكون
سكرتك ونشوتك ولذتك...؟ أو غاب عنك عاملك بمال عظيم مدة سنين حتى أضر بك فقد عليك
من غير انتظار بالمال والمكسب (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع
المحسنين) هذا حال من وجد الله بعد فقد.. يسكره هذا الوجد.. يعلنها لقد من سكر
الدنيا في غرور. قيل لأحدهم: أما تستوحش قال إن الأنس بالله قطع عني كل وحشة, وقيل
لمالك بن مغفل أما تستوحش فقال: أويستوحش مع الله أحد..., قالت أم عمر بن المنكدر:
يا عمر إني أشتهي أن أراك نائماً فقال: يا أماه والله إن الليل ليرد علي فينقضي عني
وما قضيت منه إربي. -إذا غلب سكر الحب سكر المخالفة وجب السكوت لتخلف المقتضيِ عن
المقتضىَ لمعارض راجح, وهو الحب, ومن ذلك من سكن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
أسكره بحبه, ومن أسكره رسول الله بحبه لم يرى غيره في قلبه..., فزيد بن الدثنة رضي
الله عنه يقول له أبو سفيان أنشدك بالله يازيد أتحب أن محمدا مكانك, فقال والله أن
أكون معاف في بدني وولدي ومحمد شيك بشوكة.., وفيه قالوا: أسرت قريش مسلماً فمضى بلا
وجل إلى السياف سألوه هل يرضيك أنك سالم ولك النبي فدى من الاتلاف فأجاب كلا لا
سلمت من الردى ويصاب أنف محمد برعاف. هذا سكن فيه النبي صلى الله عليه وسلم فأسكره
بحبه والمحب الصادق يمتلئ قلبه بمحبوبه فيجمع إرادته على محبته.., ولا يبقي لنفسه
من نفسه شيئاً. ومن هذا قول عروة بن مسعود لقومه يصف هذا الحب يوم الصلح: أي قوم
والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله ان رأيت ملكا قط
يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله ان تنخم نخامة الا وقعت في كف رجل
منهم فدلك بها وجهه وجلده واذا أمرهم ابتدروا أمره واذا توضأ كادوا يقتتلون على
وضوئه واذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر اليه تعظيما له" أخرجه
الطبراني في الكبير. وهذا سراقة الي لم يصل بعد ولم يصم ولكن رأى من عظمة النبوة ما
أسكره فجذبه إليه فعاد يعمي بعد أن كان طالبا وقال قولته: أَبَا حَكَمٍ وَاللَّهِ
لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا ... لأَمْرِ جَوَادِيَ إِذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهُ عَلِمْتَ
وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا ... رَسُولٌ بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا
يُقَاوِمُهُ عَلَيْكَ بِكَفِّ الْقَوْمِ عَنْهُ فَإِنَّنِي ... أَرَى أَمْرُهُ
يَوْمًا سَتَبْدُو مَعَالِمُهُ بِأَمْرٍ يَوَدُّ النَّاسُ فِيهِ بِأَسْرِهِمْ ...
بِأَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ طُرًّا يُسَالِمُهُ -وفي الهجرة يسقي الصديق النبي صلى
الله عليه وسلم قائلاً: وقد رويت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، معي إداوة على
فمها خرقة فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
فوافقته قد استيقظ فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
حتى رضيت" الطبقات الكبرى. هؤلاء القوم سكن فيهم النبي صلى الله عليه وسلم فأسكرهم
حبه وهذا عمر رضي الله عنه أسكره الحب جاء في كنز العمال عن زيد بن أسلم قال: خرج
عمر بن الخطاب ليلة يحرس، فرأى مصباحا في بيت فدنا فإذا عجوز تطرق شعرا لها لتغزله
- أي تنفشه بقدح وهي تقول: على محمد صلاة الأبرار ... صلى عليك المصطفون الأخيار قد
كنت قواما بكى الأسحار ... يا ليت شعري والمنايا أطوار هل تجمعني وحبيبي الدار تعني
النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس عمر يبكي، فما زال يبكي حتى قرع الباب عليها، من
هذا؟ قال: عمر بن الخطاب، قالت: مالي ولعمر؟ وما يأتي بعمر هذه الساعة؟ قال: افتحي
- رحمك الله! فلا بأس عليك، ففتحت له فدخل فقال: ردي علي الكلمات التي قلت آنفا،
فردتها عليه، فلما بلغت آخرها قال: أسألك أن تدخليني معكما، قالت: وعمر فاغفر له يا
غفار فرضى ورجع. ". روى أن رجلاً اسمه عبد الله كان يلقب حماراً وكان يضحك رسول
الله صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشرب فأتي به
يوماً فأمر به فجلد, فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي
صلى الله عليه وسلم :" لا تلعنوه فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله". أخرجه
البخاري, وفي رواية: "لا تلعنه فإنه يحب رسول الله".., فإذا كان النبي-صلى الله
عليه وسلم- قال :« لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا
وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا
وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ »..., ونهي عن لعن هذا فإن السر يكمن في أن سكر الحب
والفطرة في صدره غطيا سكر الشرب.. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تلاعنوا
بلعنة الله ولا بغضبه ولا بالنار" أخرجه الترمذي. والرجل لما تكرر منه هذا الفعل
أصدر المجتمع تجاهه لونا من الردع فلقبوه بحمار لما فيه من البلادة بسبب تكراره
لفعل الشرب, فوصف بهذا الوصف ليرتدع.. ولذلك لا ينبغي اتهام الناس والخوض في
أعراضهم بسبب مخالفاتهم دعهم فلعل لهم حال مع الله لا تعلمه, ولعل لهم أعمالاً تغطي
أفعالهم وتزيلها وتغمرها, فلا تخض فقد يعافيهم الله ويبتليك, فلا تردد ما تراه قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما رجل أشاع على امرئ مسلم كلمة، وهو منها بريء،
ليشينه بها، كان حقًّا على الله أن يُعَذِّبه بها يوم القيامة في النار، حتى يأتي
بنفاذ ما قال". وعن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من عير
أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله قال أحمد من ذنب قد تاب منه". والأجمل من ذلك أن يغلب
سكر الحب والاقتداء والأدب سكر الشوق إلى العبادة, كما حدث مع عثمان رضي الله عنه
عندما خرج إلى مكة مفاوضاً, وعرض عليه الطواف فأبى حتى يطوف بالبيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم .., قال ابن إسحاق : فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن
العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به؛ فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول
الله صلى الله عليه وسلم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف؛ فقال: ما كنت لأفعل حتى
يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وفي رواية: " بئس ما ظننتم بي فو الذي نفسي
بيده لو مكثت بها مقيماً سنة ما طفت بها حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولقد دعتني قريش غلى الطواف بالبيت فأبيت". فعثمان أسره حب الاقتداء على العبادة.
-إن الفطرة السوية تأمرنا بأن نحمي أبداننا وعقولنا, حماية حسية ومعنوية, وأن نحمي
غيرنا مما نحمي منه أنفسنا, وأوجب هذه الحماية على الأفراد تجاه أنفسهم وبني جنسهم
وأوجبها على المسئولين تجاه مسئوليهم, فهي مسئولية مشتركة حفظاً وحفاظاً على بنيان
الله في أرضه؛ يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ويقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ إن
الإنسان أمين على بدنه وحارس عليه, ومن الخيانة لهذا البدن أن يستخدمه فيما يؤذيه
ويستعمله فيما يجهده ويقلل من عطائه من أجل ذلك حرم الله على الإنسان كل ما يضعف
البدن, وأمره بتقويته ومداواته بالعقاقير المناسبة. وأجمل حفظ للبدن ورعاية له هو
التمسك بفطرة التي فطر الناس عليها بل وإدمانها, والتي تكمن في الإقبال على الله
بالكلية, ففيها الحماية والوقاية والحفظ والرعاية, قالَ الإمامُ ابنُ القيّم
-رحمَهُ اللهُ تعالى-:"ومن علاماتِ (صحَّةِ القلب): أنهُ لا يزالُ يضربُ على صاحبه؛
حتى ينيبَ إلى الله، ويخبتَ إليه! ويتعلَّقُ به تعلُّقَ المحبِّ المضطرِّ إلى
محبوبه، الذي لا حياةَ له ولا فلاحَ ولا نعيمَ ولا سرورَ إلا برضاه، وقربه والأنس
به! فبهِ يطمئنّ، وإليه يسكن، وإليه يأوي، وبه يفرح، وعليه يتوكَّل، وبه يثق،
وإيَّاه يرجو، وله يخاف. فذكرهُ؛ قوّته وغذاؤه ومحبّته والشوقُ إليه؛ حياته ونعيمه
ولذّته وسروره، والالتفاتُ إلى غيره والتعلق بسواه؛ داؤه، والرجوعُ إليه؛ دواؤه،
فإذا حصل له ربُّهُ؛ سكن إليه، واطمأنَّ به، وزالَ ذلك الاضطرابُ والقلق، وانسدَّتْ
تلك الفاقة، فإنَّ في القلبِ فاقةً؛ لا يسدُّها شيء سوى الله تعالى، أبدًا! وفيه
شعثٌ؛ لا يلمه غير الإقبال عليه! وفيه مرضٌ؛ لا يشفيه غير الإخلاص له، وعبادته
وحده! فهو دائمًا يضربُ على صاحبهِ؛ حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذٍ؛
يباشرُ روحَ الحياةِ، ويذوق طعمها، ويصيرُ له حياةٌ أخرى غير حياةِ الغافلين
المعرضين عن هذا الأمر الذي له خُلِقَ الخلق، ولأجله خُلقتِ الجنة والنار، وله
أُرسلتْ الرسل، ونزلتِ الكتب. ولو لم يكن جزاء إلا نفسُ وجوده؛ لكفى به جزاءً، وكفى
بفوته حسرةً وعقوبة! -وهذه الفطرة فيها من الجواهر ما لا يحصيه إلا الله فعلى
أبنائها أن يحسنوا صيدهم, وأن يلتقطوا النافع المفيد لهم ولأمتهم خرج المهدي وعلي
بن سليمان إلى الصيد ومعهما أبو دلامة ، فرمى المهدي ظبيا فشكـه ، ورمى علي بن
سليمان ، وهو يريد ظبيا ، فأصاب كلبا من كلاب الصيد فشكه،فقَالَ أبو دلامة : قد رمى
المهدي ظبيا شكَّ بالسهمِ فُؤاده وعلي بن سليمان .. رَمَى كلبًا فصادَه فهنيِـئـًا
لكُـمَا .. كـلُّ امرئٍ يأكُـلُ زادَه فضحك المهدي حتى كاد يسقط عن سرجه ، وأمر له
بثلاثين ألف درهم. وهنا أقول إناء الخمر موجود لم يكسر إناؤه ولن يكسر إلى يوم
القيامة وإناء اللبن موجود ولن يكسر إلى يوم القيامة فاختر لنفسك إناء يقيك حر
الدنيا وسموم الآخرة. وقديما قالوا: وللزنبور والبازي جميعاً لدى الطيران أجنحة
وخفق ولكن بين ما يصطاد باز، وما يصطاده الزنبور فرق!! -والجزاء من جنس العمل فمن
تناول الفطرة الصافية في الدنيا أعطيها في الآخرة صافية كما التزم بها في الدنيا,
يقول تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ
مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ
وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ
خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ وَمِنْهُمْ
مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ
أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى
قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى
وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) محمد: 15- 17. يقول بن كثير في قوله: غير آسن: الصافي الذي
لا كدر فيه, غير متغير, عن مسروق قال: قال عبد الله: أنهار الجنة تُفَجَّر من جبل
من مسك..., (لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) أي: في غاية البياض والحلاوة والدسومة. وفي
حديث مرفوع: "لم يخرج من ضُرُوع الماشية".{ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ
لِلشَّارِبِينَ } أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل هي حسنة المنظر
والطعم والرائحة والفعل، { لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ } [
الصافات : 47]، { لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ } [ الواقعة : 19]، {
بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ } [ الصافات : 46]، وفي حديث مرفوع: "لم تعصرها
الرجال بأقدامها". [وقوله: { وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى } أي: وهو في غاية
الصفاء، وحسن اللون والطعم والريح، وفي حديث مرفوع: "لم يخرج من بطون النحل"..,
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الجُريري، عن حكيم بن معاوية، عن
أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "في الجنة بحر اللبن، وبحر
الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد".ورواه الترمذي في "صفة
الجنة"، وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "هذه الأنهار تَشخُبُ من جنة عدن في جَوْبَة، ثم تصدع بعد أنهارا" وفي
الصحيح: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه
تُفَجَّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن" . اللهم ارزقنا الفردوس واجعلنا من أهل
الفطرة الصادقة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق