من المعلوم أن حب الجمال فطرة, فصاحب الفطرة السوية يعجبه المنظر الحسن في الأشياء من حوله, ويحب أن يرى الناس منه الحسن والجمال, ويستقذر القبح في نفسه والأشياء من حوله, لأن القبح مخالف للفطرة وضدها فهو غير مقبول, ولا يوجد في شريعة من الشرائع الدعوة إليه لأن الله جميل يحب الجمال والحسن, فعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر" قال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة, فقال:" إن الله تعالى جميل يحب الجمال, الكبر بطر الحق وغمص الناس", قال الطحاوي: ولا نعلم أحدا روى في هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما رواه الكوفيون عنه فيه من هذا الحديث في صحة طريقه وفي حسن سياقه متنه., وفي رواية أخرى أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله إني أحب أن يكون رأسي دهيناً وثوبي غسيلاً وشراك نعلي جديداً أفمن الكبر ذلك يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" لا ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس".
أيها الدعاة خُذُواْ زِينَتَكُمْ.
دكتور/ عاطف زيتحار
إن أصحاب الأذواق العالية
والراقية يعرفون قيمة المنظر الجميل والمظهر الطيب والثياب الحسنة عند اللقاء،
ومدى تأثير ذلك في نفوس المستقبلين. بعض الدعاة سامحهم الله لا يهتم لمظهره ولا
لمنظره.. إذا ارتدوا ارتدوا زياً مبعثراً، شعر باد في منظر غير مقبول، وثياب
غير منسقة ولا متناسقة، بعضهم فرط في طول زيه، والآخر أفرط في قصره، وبعضهم أتى
بجلباب قديم متسخ غير عابئ بنظرات الناس إليه، ومثل هؤلاء يجترئ عليهم السفهاء
والسقاط والهمل والرعاع والجهال.. ويسقطون من أعين الناس.. وتسقط معهم دعوتهم.
وبعض الدعاة بارك الله فيه يهتم بمظهره، ويختار زيه متناسق الألوان والأطوال مع
الجسد، نظيفا أنيقا قد كسا صاحبه هيبة ووقارا.. لعلمه بما للظاهر من أثر في نفس
الناظر والمستمع.
التصوف الذي تربيت عليه
دكتور/ عاطف زيتحار
الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً..؛ وبعد..
فلقد كتبت مادحاً التصوف الإسلامي في يوم من الأيام على صفحتي الشخصية فجاءتني
التعليقات من أحبابي الذين أتوسم فيهم الخير بين مشيد بها ومهاجم لها ومستغرب منها,
وللجميع أقول: لقد عشت حياتي مع والدي عليه رحمة الله الشيخ الرفاعي الزاهد الورع
الذي عاش طيلة حياته متصوفاً, وأشهد الله أنني ما رأيت منه إلا خيراً وما أرشدني
إلا إلى النور, وما علمني إلا الحق, وما أطعمني إلا حلالاً, وكثيراً ما كان يصحبني
معه إلى المسجد وحلقات الذكر وأنا صغير, فتربيت على حب المساجد وعشق محبيها وعلى
حلقات الذكر بمعناها ومفهومها الشامل, وعلى حب آل البيت وأولياء الله الصالحين,
مواقف بطولة من صنع المراة في العهد المكي(11) الهجرة النبوية إلى المدينة
عاطف أبو زيتحار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المرأة في الهجرة النبوية
تمهيد حول تاريخ الهجرة :
الهجرة كما هو معلوم مرحلة من أهم المراحل في تاريخ المسلمين , فلقد جعلت للإسلام عهدين يكادان يتساويان , عهد الفرد قبل الهجرة , وعهد الجماعة والدولة بعدها , وعهد الضعف قبل الهجرة , وعهد القوة بعدها .
لقد أُعلم النبي – صلى الله عليه وسلم - بخروجه منذ بُعث إليه , وكان ذلك في البداية على لسان ورقة بن نوفل الذي قال للنبي – صلى الله عليه وسلم - : هذا الناموس الذي نزله الله به على موسى – عليه السلام - يا ليتني فيها جذع ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك , فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" أومخرجي هم " , قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ( ).
لم تكن الوجهة معلومة للنبي –صلى الله عليه وسلم - في هذا الوقت , ولذلك ما سمع بوافد يفد إلى المدينة إلا وتصدى له في الموسم وغيره , ثم انتقل إلى القبائل وشعاره كما روى جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما – قال: كان رسول الله -- صلى الله عليه وسلم- يعرض نفسه على الناس في الموقف , فقال :" ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربى "( ).
يقول المقريزي –رحمه الله -: ثم عرض - صلى الله عليه وسلم - نفسه على القبائل أيام الموسم، ودعاهم إلى الإسلام، وهم بنو عامر، وغسان، وبنو فزارة، وبنو مرة، وبنو حنيفة، وبنو سليم، وبنو عبس، وبنو نصر، وثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبنو الحارث بن كعب، وبنو عذرة وقيس بن الخطيم، وأبو اليسر أنس بن أبي رافع....( ).
وروي أنه أتى بنى عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ؛ فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أنى أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الامر من بعدك ؟ قال: " الأمر لله يضعه حيث يشاء" ؛ قال: فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك...؛ فأبوا عليه...؛ فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كان أدركه السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش , أحد بنى عبدالمطلب، يزعم أنه نبى يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا...؛ قال: فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يا بنى عامر هل لها من تلاف ؟ هل لذناباها من مطلب ؟ والذى نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلى قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم ! ( ).
وقال موسى بن عقبة عن الزهري: فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: " لا أكره أحدا منكم على شئ، من رضى منكم بالذى أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني فيما يراد لى من القتل حتى أبلغ رسالة ربى، وحتى يقضى الله لى ولمن صحبني بما شاء( ).
ظل النبي – صلى الله عليه وسلم – يبحث عن موطن يحميه من عدوه , ومكان ينطلق منه بدعوته , حتى جاءت الإسراء والمعراج , فحددت له معلم الانطلاق بالدين , ودار نشره , ومأوى أصحابه ؛ صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه قال في رحلة الإسراء : "قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين" ( ).
أخرج الطبراني بسنده عن شداد بن أوس –رضي الله عنه - قال : قلت يارسول الله كيف أسري بك ليلة أسري بك ؟ قال : " صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتما فأتاني جبريل - صلى الله عليه وسلم - بدابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل فقال : اركب فاستصعب علي فدارها بأذنها ثم حملني عليها فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها حتى بلغنا أرضا ذات نخل فقال : انزل فنزلت ثم قال : صل فصليت ثم ركبنا فقال أتدري أين صليت ؟ قلت : الله أعلم قال : صليت بيثرب صليت بطيبة ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها حتى بلغنا أرضا بيضاء فقال : انزل فنزلت ثم قال : صل فصليت ثم ركبنا فقال : تدري أين صليت ؟ قلت الله أعلم قال : صليت بمدين صليت عند شجرة موسى –عليه السلام - ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصورها فقال : انزل فنزلت ثم قال : صل فصليت فقال : أتدري أين صليت ؟ فقلت : الله ورسوله أعلم قال : صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى - عليه السلام - المسيح بن مريم ( ).
وفي رواية النسائي :" فقال : انزل فصل ففعلت , فقال: أتدري أين صليت ؟ صليت بطيبة , وإليها المهاجر"( ).
بعد هذا التوجيه الرباني , ومعرفة دار الانطلاق بهذا الدين , ما سمع النبي – صلى الله عليه وسلم – بوافد يفد إلى مكة من أهل المدينة إلا وتصدى له ودعاه إلى الله , وكان من بين هذه الطلائع التي كانت سببا في إسماع صوت الإسلام في المدينة وبيعتي العقبة الصغرى والكبرى : سويد بن الصامت الذي التقى النبي – صلى الله عليه وسلم - في الموسم والذي كان يسمى الكامل لشرفه وجلده , ورجاحة عقله , وقتل يوم بعاث , وقيل فيه إنه مات مسلما , وإياس بن معاذ جاء مع قومه يلتمس الحلف من قريش فوصل الإسلام إلى قلبه , ومات في وقعة بعاث , ثم التقى وفدا من الخزرج عن العقبة ودعاهم فاستجابوا , وكانوا ستة نفر : أبو أمامة أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث من بني النجار، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله بن رئاب ؛ فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا بينهم فلم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- ( ).
وبعد عام من إسلام هؤلاء الستة , وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً فلقوه - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة، وبايعوه بيعة العقبة الأولى، عشرة من الخزرج واثنان من الأوس, وأرسل النبي – صلى الله عليه وسلم – معهم مصعبا معلما , وبعد عام كانت البيعة الكبرى ثم تتابع وفود الصحابة في الهجرة إلى المدينة , قبل هجرة النبي – صلى الله عليه وسلم - إليها وبعدها حتى عام الفتح , التي قال فيه النبي – صلى الله عليه وسلم - :" لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا "( ).
هذا تاريخ الهجرة بإيجاز شديد , والمرأة حاضرة في كل فصوله , وشاهدة على مواقفه , روى الحاكم أبو عبد الله في مستدركه عن أُم سلمة رضي الله عنها - أنها قالت : يا رسول الله ، لا أَسْمَعُ اللَّهَ ذَكَرَ ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله تعالى : :" فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى "( ) , أي : بعضكم من بعض في الثواب والأحكام والنصرة وشِبهِ ذلك ( ).
فهذه أم المؤمنين أم سلمة ( )- رضي الله عنها - : "لما أجمع أبو سلمة –رضي الله عنه - الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم قاموا إليه , فقالوا: هذه نفسك غلبْتَنَا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها إلى البلاد؟ , قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه ؛ قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رهط أبي سلمة؛ قالوا: لا، والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا؛ قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة؛ قالت: ففرق بيني وبين زوجي، وبين ابني؛ قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريباً منها، حتى مرّ بي رجل من بني عمي، أحد بني المغيرة، فرأى ما بي، فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟ قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت, قالت: ورد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني؛ قالت: فارتحلتُ بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله؛ قالت: فقلت: أتبلغ بمن لقيت، حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار؛ فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: فقلت: أريد زوجي بالمدينة؛ قال: أو ما معك أحد؟ قالت: فقلت: لا والله إلا الله وبني هذا قال: والله ما لك من مترك.
فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت عنه أستأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى إلى الشجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني فقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقاد بي حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة بها نازلاً، فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعاً إلى مكة.
قال فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحباً قط أكرم من عثمان بن طلحة"( ).
إن في هذا الموقف من الآلام ما تنوء بحمله الجبال , وفيه أيضاً من المروءة وسلامة الفطرة , والبطولة , ما يملأ صفحات التاريخ عبراً ..
إن الإيمان إذا ما تمكن من القلب، ( استحال أن يُقدِّم صاحبه على الإسلام والإيمان شيئاً، حتى لو كان ذلك الشيء فلذة كبده، أو شريكة حياته لذا انطلق أبو سلمة - رضي الله عنه - إلى المدينة لا يلوي على أحد، وفشل معه هذا الأسلوب وللدعاة إلى الله فيه أسوة( ).
وهكذا أَثَر الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب، فهذه أسرة فُرِّق شملُها، وامرأة تبكي شدة مصابها، وطفل خُلعت يده وحُرم من أبويه، وزوج وأب يسجل أروع صور التضحية والتجرد، ليكون أول مهاجر يصل أرض الهجرة، محتسبين في سبيل الله ما يلقون، مصممين على المضي في طريق الإيمان، والانحياز إلى كتيبة الهدى، فماذا عسى أن ينال الكفر وصناديده من أمثال هؤلاء؟
وأما صنيع عثمان بن طلحة - رضي الله عنه - فقد كان يومئذ كافراً (وأسلم قبل الفتح) ومع ذلك تشهد له أم سلمة - رضي الله عنها - بكرم الصحبة، وذلك شاهد صدق على نفاسة هذا المعدن، وكمال مروءته، وحمايته للضعيف( )، فقد أبت عليه مروءته وخلقه العربي الأصيل أن يدع امرأة شريفة تسير وحدها في هذه الصحراء الموحشة، وإن كانت على غير دينه، وهو يعلم أنها بهجرتها تراغمه وأمثاله من كفار قريش.
إن هذه القصة- ولها مثل ونظائر- لتشهد أن ما كان للعرب من رصيد من الفضائل كان أكثر من مثالبهم ورذائلهم، فمن ثم اختار الله منهم خاتم أنبيائه ورسله، وكانوا أهلاً لحمل الرسالة، وتبليغها للناس كافة( ).
وتظهر عناية الله تعالى بأوليائه، وتسخيره لهم، فهو جل وعلا الذي سخر قلب عثمان ابن طلحة للعناية بأم سلمة، ولذلك بذل الجهد والوقت من أجلها( ) كما تظهر سلامة فطرة عثمان بن طلحة، التي قادته أخيراً إلى الإسلام بعد صلح الحديبية، ولعل إضاءة قلبه بدأ منذ تلك الرحلة، في مصاحبته لأم سلمة رضي الله عنهم( ).
وهذه السيدة أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنهما- لا يقل دورها في الهجرة عن دور أخواتها الأخريات , فهي كاتمة السر , وحاملة الطعام , وناقلة خبر العدو للنبي – صلى الله عليه وسلم - , وصاحبه , وهي المضحية بوقتها وجهدها في خدمة دينها وأمتها .
أخرج الإمام بن كثير بسنده عن عائشة أم المؤمنين –رضي الله عنها - قالت: كان لا يخطئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بالهاجرة ، في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر –رضي الله عنه - ، قال: ما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم- هذه الساعة إلا لأمر حدث.
قالت: فلما دخل، تأخر له أبو بكر –رضي الله عنه - عن سريره، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر-رضي الله عنهم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أخرج عني من عندك" , فقال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي، وما ذاك، فداك أبي وأمي! فقال: " إنه قد أذن لي في الخروج والهجرة, قالت: فقال أبو بكر –رضي الله عنه -: الصحبة يا رسول الله؟ قال: "الصحبة" , قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أحدًا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.. ( ).
إن عائشة وأسماء – رضي الله عنهما – شربا من معين الصديق –رضي الله عنه – التربوي , ففي قوله : إنما هما ابنتاي ؛ ثقة , ويقين , أنهما قادرتان على كتمان السر , وعدم إفشائه , وخير دليل على ذلك عندما , وقف أبو جهل أمام منزل الصديق بعد خروجه مع النبي – صلى الله عليه وسلم - في الهجرة , يسأل عن أبيها , فأجابت بأنها لا تدري , ولا تعرف شيئاً , وأدى هذا الموقف مناه أن لطمها حتى أسقط قرطها , وسال الدم من وجهها ..
عن أسماء – رضي الله عنها- أنها قالت: لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر – رضي الله عنه – أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشاً خبيثاً فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي قالت: ثم انصرفوا ( ).
وعندما دخل عليها جدها أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ، قالت: كلا يا أبت، ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إذا كان ترك الكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم ، قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئاً ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك( ).
إنه الفهم الراقي , والرشد والبصيرة النافذة , لم تتمتم في كلامها , ولم تتلعثم في جوابها , بل ألهمت ووقفت حتى صرفت عمرو بن هشام في الموقف الأول, وسكنت جدها وصرفته في الموقف الثاني.
إنها بهذه الحكمة والفهم والرشد سترت دعوة الله , وسترت رسوله – صلى الله عليه وسلم – ( من غير أن تكذب، فإن أباها قد ترك لهم حقًّا هذه الأحجار التي كومتها لتطمئن لها نفس الشيخ، إلا أنه قد ترك لهم معها إيماناً بالله لا تزلزله الجبال، ولا تحركه العواصف الهوج، ولا يتأثر بقلة أو كثرة في المال، وورثهم يقيناً وثقة به لا حد لها، وغرس فيهم همة تتعلق بمعالي الأمور، ولا تلتفت إلى سفافها فضرب بهم للبيت المسلم مثالاً عز أن يتكرر، وقل أن يوجد نظيره.
وظلت أسماء مع أخواتها في مكة لا تشكو ضيقاً، ولا تظهر حاجة، حتى بعث النبي - صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه –رضي الله عنهما -، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسوده بنت زمعة زوجه، وأسامة بن زيد، وأمه بركة، المكناة بأم أيمن، وخرج معهما عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر فيهم عائشة وأسماء، فقدموا المدينة فأنزلهم في بيت حارثة بن النعمان –رضي الله عنهم أجمعين - ( ).
لقد حازت أسماء شرف خدمة النبي – صلى الله عليه وسلم – وصاحبه , واستحقت ذات النطاقين عن جداره , فهي المرأة الحامل في أشهرها الأخيرة , تصعد جبلا وعراً ليلاً حتى لا يراها أحد , لتطعم النبي –صلى الله عليه وسلم ووالدها , فعنها - رضي الله عنها - قالت: صنعت سفرة للنبي –صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر –رضي الله عنه - حين أرادا المدينة، فقلت لأبي: ما أجد شيئا أربطه إلا نطاقي، قال: فشقيه، ففعلت، فسميت ذات النطاقين ( ).
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله –صلى الله عليه وسلم - في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر – رضي الله عنه - ، وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة، لمن يرده عليهم، وكان عبد الله بن أبي بكر في قريش نهاره معهم، يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله –صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر –رضي الله عنه - ، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكان عامر بن فهيرة –رضي الله عنه -، مولى أبي بكر - رضي الله عنه - يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر –رضي الله عنه - ، فاحتلبا وذبحا، فإذا عبد الله بن أبي بكر- رضي الله عنهما - غدا من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يقفى عليه، حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيرهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما، ثم علقتها به ( ).
هذه مواقف وليس موقفا واحدا في الهجرة من أسماء – رضي الله عنها - , زاحمت بهن أكتاف الرجال , ووقفت مرفوعة الرأس وسط حلقات التاريخ وفصوله تشهد الله على أفعالها وخدمة دينها وأمتها , وتعلم شقائقها فنون الفهم والتضحية.
وهذه أم معبد – رضي الله عنها – الكريمة السخية الجوادة , العاقلة الفاهمة الواعية , لا يقل دورها في الهجرة عن دور قريناتها من المسلمات , فلقد جادت بألبن اغنامها , وعندما رأت كرامة نبي الله حكمت عقلها وآمنت , فعن خالد بن خنيس الخزاعي - رضي الله عنه - صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين خرج من مكة، وخرج منها مهاجراً إلى المدينة، هو وأبو بكر - رضي الله عنه - ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة - رضي الله عنه - ودليلهما الليثي عبد الله بن الأريقط، مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء القبة ثم تسقي وتطعم، فسألوهما لحماً وتمراً، ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك، وكان القوم مُرْمِلين مسنتين فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد؟ , قالت: خلفها الجهد عن الغنم، قال: "فهل بها من لبن؟" قالت: هي أجهد من ذلك، قال: "أتأذنين أن أحلبها؟, قالت: بلى بأبي أنت وأمي، نعم، إن رأيت بها حلباً فاحلبها.
فدعا بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمسح بيده ضرعها، وسمى الله عز وجل، ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه، ودرت واجترت ودعا بإناء يُرْبِض الرهط، فحلب فيها ثجا حتى علاه البهاء ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم صلى الله عليه وسلم ثم أراضوا ، ثم حلب فيها ثانياً بعد بدء حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، ثم بايعها، وارتحلوا عنها.
فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافاً يتساوكن هُزلا ضحى، مخهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب، وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد، والشاة عازب حيال ولا حلوبة في البيت؟ قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا أم معبد قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه ،حسن الخلق، لم تعبه نحلة ولا تزر به صعلة وسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صهل وفي عنقه سطع وفي لحيته كثاثة، أزج، أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصل لا هذر ولا نزر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربع لا يأس من طول ولا تقتحمه العين من قصر غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود، محشود ، لا عابس ولا مُفنَّد.
قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً. ( ).
هذه مواقف لبعض النساء في هجرة النبي – صلى الله عليه وسلم - , اختصرنا فيها قدر المستطاع , فيها من الدروس الكثير , وفيها من العبر ما ينفع أمم الأرض .., أسأل الله أن ينفعنا بما كتبنا وأن يجعله في موازين حسناتنا .
الخاتمة والتوصيات :
نستنتج من هذا البحث النتائج والتوصيات الآتية :
1- أن الإسلام انتشل المرأة من جراثيم الجاهلية وأوحالها .
2- لا يوجد دين سماوي ولا قانون وضعي أعطى المرأة من الحرية والمساواة كما أعطى الإسلام المرأة ومنحها .
3- المرأة في رحاب الإسلام نما عقلها , وارتفع شأنها , وعلا فهمها ورشدها , وسبقت غيرها من أمم الأرض قاطبة.
4- المرأة المسلمة صبرت على الأذى واستعذبت العذاب , وأثبتت للتاريخ أنها بنت نسب حقيقي لا بنت تبني .
5- أن المناسبات الإسلامية في العهد المكي أثبتت أن النساء شقائق الرجال في كل المحاور وعلى كافة الأصعدة.
6- تمتعت المرأة باستقلال اقتصادي أتاح لها امتلاك كل سبل الثروة .
7- على العلماء في بلاد المشرق توجيه طلابهم للبحث المنهجي , كل في تخصصه لدراسة مشاركات المرأة في كافة العلوم في المشرق والمغرب .
8- على رجال الأعمال أن يخصصوا أجزاء من أموالهم , وأن يوقفوا بعضاً من ثرواتهم , للدفاع عن تراث أمتنا , وذلك بدعم ونشر مؤلفات الثقات من رجال التاريخ والآثار, أو إنشاء وسائل إعلام حديثة تواكب العصر والتطور , من قنوات فضائية ومجلات ونشرات وإذاعات , وإنشاء مواقع على شبكات التواصل .. , وبذل هذه الأموال في خدمة طلبة العلم وتنقلهم بين المشرق والمغرب بحثا عن الحقيقة العلمية –وخصوصا الشرعية - .
9- توجيه بعض الباحثين لدراسة جوانب العظمة في حياة المرأة في العصور الغابرة , وإبراز انتاجها الفكري والاجتماعي والسياسي والدعوي ..
10- على الباحثين مقاومة كل أساليب التمييز ضد المرأة أيا ما كانت وما كان مصدرها ..
مواقف بطولة من صنع المرأة في العهد المكي(10) حصار الشعب والإسراء والمعراج
عاطف أبو زيتحار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولا : حصار الشعب
من المعلوم يقينا أن الاضطهاد مهما ارتفعت وتيرته , وعلا صوته , واشتدت ضرباته , لا يقتل الدعوات الربانية , ولا يقضي على أتباعها , بل يزيدهم صلابة وقوة ومنعة , يكثر أتباعهم , ويوحد صفهم ؛ وحصار الشعب لون من ألوان الاضطهاد الذي استخدمته قريش ضد النبي – صلى الله عليه وسلم - وآله ودعوته وأصحابه – رضوان الله عليهم – فقد تعاقدوا وتعاهدوا وكتبوا : أن لا ينكحوا إليهم، ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم، وأن يضيقوا عليهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للقتل.
لقد قطعت عنهم قريش الميرة ( ) والمادة، وقطعت عليهم الأسواق، فكانوا لا يتركون طعاما يدنو من مكة ولا بيعا إلا بادروا إليه فاشتروه دونهم ليقتلهم الجوع، وكان أبو لهب يدور بين التجار، ويقول لهم: غالوا على أصحاب محمد، حتى لا يدركوا معكم شيئا، وأنا أدفع لكم أضعافا مضاعفة، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافا حتى يرجع الرجل إلى أطفاله، وهم يتضاغون ( ) من الجوع، وليس في يديه شيء يطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب فيربحهم، حتى جهد المؤمنون، ومن معهم جوعا وعريا، وحتى سمع أصوات صبيانهم من وراء الشعب، واضطروا إلى أكل ورق الشجر والجلود، وهلك منهم من هلك.
أخرج أبو نعيم في الحلية عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه قال: . . . خرجت من الليل أبول، وإذا أنا أسمع بقعقعة تحت بولي، فإذا قطعة جلد بعير، فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها، ثم رضضتها ( ) وسففتها بالماء ( )، وشربت عليها من الماء، فقويت بها ثلاثا ( ).
وضيق الحصار على المسلمين، وانقطع عنهم العون، وقل الغذاء حتى بلغ الجهد أقصاه، وسمع بكاء أطفالهم من وراء الشعب، وعضتهم الأزمات العصيبة حتى رثى لحالهم الخصوم، ومع اكفهرار ( ) الجو في وجوههم، فقد تحملوا في ذات الله الويلات ( ).
والمرأة في الشعب نالها ما نال الرجال , من عنت ومشقة , أكلت ورق الأشجار وجلد البعير وما لا يستساغ كما أكلوا , وشربت كما شربوا , وعانت الويلات بعد التضييق عليها اجتماعيا , فما عادت الهاشمية ولا المطلبية تزوج ممن قاطعوها وحاصروها مسلمة كانت أو غير مسلمة , وبالرغم من ذلك لم تضعف ولم تلن ولم تشكوا ولم تتبرم , حتى جاء النصر والفرج من عند الله بعد ثلاث سنوات , وجعل لكل محاصر فرجا ومخرجا , وجاءت البشارات تلو البشارات , تبشر بنصر وفتح قريب .
والذي يدعو إلى العجب انحياز بني المطلب وبني هاشم إلى النبي –صلى الله عليه وسلم – فنالهم ما نال الصحابة والنبي –صلى الله عليه وسلم - على اختلاف شرائحهم .
والأعجب أننا لم نقرأ أن أحدا من المسلمين رجالا ونساء ساوم على دين الله –رغم الحصار والشدة -, لأن دين الله في قلوبهم وعقولهم ليس صفقة تقبل المساومة "مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ).
ثانياً : الإسراء والمعراج
إن الإسراء والمعراج حادثة كبيرة , ومعجزة عظيمة , تحتاج إلى عقول تفكر , وقلوب تؤمن , فقد رسمت للمسلمين آفاق المستقبل , وبينت وكشفت لهم الزاد وأماكن الراحة ومواطنها , ووضحت لهم العقبات والمعوقات وأماكن الشقاء والتعاسة ومعارجها , وكشفت لهم عن معالم الطريق كاملة غير منقوصة..
إن رحلة الإسراء والمعراج وقعت قبل الهجرة بثلاث سنوات وقيل: بعام على الراجح كما قال القاضي عياض( ) , قال الله في شأنها :" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"( ).
والإسراء هو الرحلة الأرضية من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى , والمعراج هو الرحلة السماوية من المسجد الأقصى إلى السماوات العلى .
والرحلة تعددت رواياتها , وكثر رواتها , وتنوعت مشاهدها , وكثر مكذبوها , وزادت المؤمنين إيمانا بعد تصديقهم وإيمانهم الغيبي بما جاء فيها ..
وإن كان الرجل حاضر بكثرة في مشاهدها وفصولها في الرحلة الأرضية والسماوية على السواء , فقد كانت المرأة حاضرة أيضاً في فصول المعجزة , وآياتها , ما بين زاد أو عقبة من ناحية , وشاهدة وراوية لآياتها من ناحية أخرى..
- فالماشطة واستنشاق عطر عظامها في الرحلة زاد للدعاة المجاهدين , فهي المجاهدة الداعية التي جادت - بأغلى ما تملك - بروحها الطهور وروح أولادها فلذات أكبادها لله رب العالمين , روى أحمد بسنده عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : " لما كانت الليلة التي أسري بي فيها، أتت عليّ رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها ", قال: " قلت: وما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم، إذ سقطت المدرى من يديها، فقالت: بسم الله , فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله , قالت: أخبره بذلك قالت: نعم , فأخبرته فدعاها، فقال: يا فلانة، وإن لك ربا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله , فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قالت له: إن لي إليك حاجة , قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد، وتدفننا , قال: ذلك لك علينا من الحق " , قال: " فأمر بأولادها فألقوا بين يديها، واحدا واحدا، إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع، كأنها تقاعست من أجله، قال: يا أمه، اقتحمي، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت " قال: قال ابن عباس – رضي الله عنهما- : " تكلم أربعة صغار: عيسى ابن مريم - عليه السلام -، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة ابنة فرعون "( ).
إنها رسالة في الثبات على المبدأ من مؤمنة داعية مجاهدة جادت بأغلى ما تملك لله رب العالمين , فخلد الله ذكرها , وإن أذاب فرعون لحمها , وأكلت الأرض عظامها , لقد نالت كرم الله وفضله , وتركت أثراً يُذكر إلى يوم القيامة .
ورحم الله شوقي عندما قال في المتقارب التام :
وخذْ لكَ زادينِ : من سيرة ومن عملٍ صالحٍ يدخرَ
وكن في الطريقِ عفيفَ الخُطا شريفَ السَّماعِ، كريمَ النظر
ولا تخْلُ من عملٍ فوقَه تَعشْ غيرَ عَبْدٍ، ولا مُحتَقَر
وكن رجلاً إن أتوا بعده يقولون : مرَّ وهذا الأثرْ( ).
ويؤكد ذلك رؤياه لثواب المجاهدين، ففي ليلة الإسراء والمعراج مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عادوا كما كان، فأخبر جبريل - عليه السلام - : "هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنات بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من شيء فهو يُخلَف"( ).
إنه فضل الله يؤتيه من اجتباه واصطفاه واختصه بهذه المنزلة , يقول الله تعالى :" إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" ( ).
عن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما يعدل الجهاد في سبيل الله - عز وجل - ؟ قال:" لا تستطيعوه " , قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول :" لا تستطيعونه : , وقال في الثالثة :" مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام وصلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى ( ) ؛ وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :"والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله , والله أعلم بمن يكلم في سبيله , إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك "( ) ؛ وعن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال : مر رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشعب في عيينة من ماء عذبة فأعجبته لطيبها فقال لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب , ولن أفعل حتى استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال:" لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما , ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة , أغزو في سبيل الله ، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة ( ).
وعن سعيد ابن المسيب أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم – يقول:" والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله , والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله , ثم أحيا , ثم أقتل , ثم أحيا , ثم أقتل , ثم أحيا , ثم أقتل ( ).
وعن المقدام بن معد يكرب – رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :"للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة , ويرى مقعده من الجنة , ويجار من عذاب القبر , ويأمن من الفزع الأكبر, ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها , ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين , ويشفع في سبعين من أقاربه ( ).
لو علم هؤلاء الذين يبطشون بخلق الله وينكلون بهم ويبضعون من اجسادهم , فضل الله وثوابه وعطاءه لهم , ما فعلوا ذلك , ولو علموا أن تنكيلهم وضربات سيوفهم , وطعنات رمحهم , وحرق نيرانهم لا قيمة له البتة بجوار هذا الفضل والعطاء , وأن هذا المعذب والمضطهد المحتسب يرى العذاب بمرآة الرضا والصبر ثوابا وعطاء , عن أبي هريرة – رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :" ما يجد الشهيد من مس القتل الا كما يجد أحدكم مس القرصة( ).
قال إبراهيم بن مهدى السلمى - عن أبيه عن جده – رضي الله عنهم - وكانت له صحبة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :" إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله فى جسده أو فى ماله أو فى ولده " , قال أبو داود: زاد ابن نفيل :" ثم صبره على ذلك " , ثم اتفقا :" حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى "( ).
أما الموقف الثاني:
فهو موقف في بقعة ننتظرها , ونتعبد لله من أجل نيلها والوصول إليها , إنها الجنة التي فتحت أبوابها له في رحلة المعراج , قال النبي –صلى الله عليه وسلم - :" ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك"( ), وفي رواية : " فسمع من جانبها وجسا قال : يا جبريل ما هذا ؟ قال : هذا بلال "( ) , وفي رواية أخرى : قال :" فسمعت خشفة فقلت ما هذه الخشفة ؟ فقيل : الرميصاء بنتُ ملحان امرأةُ أبي طلحة"( ) , "وبينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بقصرٍ أبيضَ فقلت : لمن هذا يا جبريل ؟ ورجوت أن يكون لي , فقال : لعمر بن الخطاب , ثم سرت هنيهة فرأيت قصراً هو أحسنُ من القصرِ الأول ؛ من ذَهَبٍ ، مربعاً يُسمع فيه ضوضاءٌ ، بفَنائه جاريةٌ تتوضأُ إلى جانبِ القصرِ فقلت : لمن هذا القصر يا جبريل ؟ ورجوت أن يكون لي ؟ فقالوا : لرجلٍ من أمةِ محمد , قلت : فأنا محمد ، لمن هذا القصرُ ؟ قالوا : لرجلٍ من العرب , قلت : أنا عربيٌّ لمن هذا القصر ؟ قالوا : لشابٍ من قريش , قال : فظننت أني أنا هو ، فقلت : أنا قرشي ، لمن هذا القصر , قالوا : لعمرَ بنِ الخطاب وإن فيه من الحور العين ، فأردتُ أن أدخلَه فأنظرَ إليه فذكرتُ غيرتَه ، فوليتُ مُدبِراً "( ).
من خلال هذه الروايات يتضح لنا أن المرأة بجوار الرجل في حنة الرحمن هكذا رآها – صلى الله عليه وسلم – لقد سمع خشفة الرميصاء أم أنس – رضي اله عنهما – بجوار رؤياه لقصر عمر , وسماعه وجس بلال – رضي الله عنهم أجمعين –
وكأن النبي – صلى الله عليه وسلم – أراد أن يبعث برسالة إلى أمته , عار على الرجال أن يتركوا الجنة للنساء يستأثرن بها دونهم , وعار على النساء أن يتركن الجنة للرجال يستأثروا بها دونهن. ومن العيب أن لا توجد امرأة لنفسها مكانا بين الرجال في جنة "عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين " , عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :" يقول الله تعالى: يا آدم ,فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك , فيقول: أخرج بعث النار , قال: وما بعث النار ؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين , فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ؛ قالوا : يا رسول الله وأينا ذلك الواحد ؟ , قال :" أبشروا فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألفا" , ثم قال :"والذي نفسي بيده إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " , فكبرنا , فقال :" أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة " , فكبرنا , فقال:" أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة " , فكبرنا , فقال:" ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود "( ).
ماذا رأى العصاة من شريعة الله حتى يزهدوا في ثمار العمل بها ونتاجه؟
لقد خابت وخسرت من لم تحجز لنفسها موضعا وقصرا وسط هذا النصف , وخاب ورب العزة من لم يحجز لنفسه موطنا وقصراً مشيدا , وسط هذا النصف .
وهناك زاد مشترك يصل بالعبد إلى مراده ومعالم طريقه التي رسمتها له الرحلة المباركة , كالصلاة , والذكر , والصدقة , والمسجد , والفطرة ومشاهدها كثيرة ليس هذا موطنها .
أما العقبات والمعوقات فهي كثيرة :
فهناك عقبات في طريق حياتنا الاجتماعية , ومعوقات في طريق حياتنا الاقتصادية , وأشواك في طريق حياتنا الدعوية والتربوية ..
فإذا تنكبت الأمة ووقعت في العقبات , واقترفت المنكرات لن تصل البتة إلى المعالم التي رسمتها لهم الإسراء .
فداعي اليهود عقبة , وداعي النصارى عقبة , والخمر والماء بمعناهما المعنوي عقبتان في طريق الأمة رجالها ونساؤها , وإبليس عقبة ..
عن أبي سعيد - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :" لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه" , قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال:" فمن"( ).
ومما جاء في حديث الإسراء مما لم يذكره ابن إسحاق في مسند الحارث بن أبي أسامة أنه - عليه السلام - ناداه مناد وهو على ظهر البراق يا محمد فلم يعرج عليه ثم ناداه آخر يا محمد يا محمد ثلاثا ، فلم يعرج عليه ثم لقيته امرأة عليها من كل زينة ناشرة يديها ، تقول يا محمد يا محمد حتى تغشته فلم يعرج عليها ، ثم سأل جبريل عما رأى ، فأخبره فقال أما المنادي الأول فداعي اليهود لو أجبته لتهودت أمتك ، وأما الآخر فداعي النصارى ، ولو أجبته لتنصرت أمتك ، وأما المرأة التي كان عليها من كل زينة فإنها الدنيا لو أجبتها لآثرت الدنيا على الآخرة( ).
الدنيا بهذه الصورة عقبة لا تنفع من تعلق بها فصدته عن سبيل الله , أما من استخدمها لتحقيق خلافة الله في الأرض , وتعميرها بالحق والعدل , ونشر الخير والرحمة والفضيلة , فهي لا شك سبيل خير إلى معالم الدنيا , ورحمة الله إلى الآخرة , وفي ذلك يقول الله تعالى : " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( ) , ويقول:" يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ" ( ).
لقد جاءت الدنيا في صورة عجوز لتدل على سرعة زوالها , وانقضائها , فمهما عمر الإنسان فيها فهو راحل وهي راحلة .
ويدل هذا المشهد أيضاً : أن أكبر فتنة تضل المرأة هي الدنيا , وأكبر فتنتين تضل الرجال هما : النساء , والدنيا معاً , ولذلك قرنهما النبي – صلى الله عليه وسلم - في حديث واحد , فعن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه -: عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال:" إن الدنيا حلوة خضرة , وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون , فاتقوا الدنيا واتقوا النساء , فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" , وفي حديث بشار:" لينظر كيف تعملون"( ).
فالدنيا عقبة لمن لم يستخدمها في إقامة سنن الله في كونه , وسنن الله لا تحابي أحداً حتى ولو كان أعبد العابدين وأزهد الزاهدين من المتواكلين .
لقد وقفت الأمة تتغنى بمشاهد الإسراء , وهي تأكل الحلوى , وتنسج الشعر وتغزله , وتلقي الكلمات الرنانة , في حين تركت ميدان العمارة والسعي , فصفع الغرب ناصيتها وركل مؤخرتها , واحتل أرضها , وأكل خيراتها , واستباح عرضها , وذلك بسبب تخليها عن سنن الله الكونية , فها هي في سوريا واليمن والعراق , وفلسطين , والعراق , وغيرها من بلداننا العربية والإسلامية , تبكي ماض مجيد ضاع منها .
العقبة الثانية :
ومن المشاهد التي رآها عقبات في طريق المسلمين بشكل عام والمسلمات بشكل خاص وهي في أغلبها عقبات في طريق الحياة الاجتماعية : الفاحشة , ومنع الولد من الرضاعة , وخيانة الزوج , والغيبة والنمية , وقطع الطرق ..
قال – صلى الله عليه وسلم - :" ثم رأيت نساء معلقات بثديهن , فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ , قال: هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم , قال ابن إسحاق : وحدثني جعفر بن عمرو ، عن القاسم بن محمد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال:" اشتد غضب الله على امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم , فأكل حرائبهم واطلع على عوراتهم"( ).
وعن أبي أمامة – رضي الله عنه -، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"بينا أنا نائم إذ أتيت فانطلق بي إلى جبل وعر، فقيل اصعد، فقلت: إني لست أستطيع الصعود، قال: أنا سأسهله لك، قال: فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل، إذ أنا بأصوات، فقلت: ما هذه الأصوات؟ قيل: هذه أصوات جهنم، ثم انطلق بي حتى مررت بقوم أشد شيء انتفاخا، وأسوئه منظرا، وأنتنه ريحا ريحهم ريح المراحيض، قلت: من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء الزانون والزواني، ثم انطلق بي حتى مر بي على نسوة معلقات بثديهن، تنهش بهن الحيات، قلت: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء اللواتي يمنعن أولادهن ألبانهن"( ).
أما عن العقبات المشتركة بين الرجال والنساء في الحياة الاجتماعية
فتتمثل في المشاهد التالية :
من تخلت عن عفتها , وتركت ما أحل الله لها , وذهبت إلى ما حرم الله عليها من الخبيثين من الرجال , رآها النبي – صلى الله عليه وسلم – خبيثة , تحت خبيث.
قال :"ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم في قدر نضيج،ولحم آخر نيء خبيث فجعلوا يأكلون الخبيث ويدعون النضيج الطيب،قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الرجل من أمتك يقوم من عند امرأته حلالاً فيأتي المرأة الخبيثة فيبيت معها حتى يصبح ، والمرأة تقوم من عند روجها حلالاً طيباً فتأتي الرجل الخبيث فتبيت عنده حتى تصبح( ).
وصدق الله إذ يقول :" الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( ).
لقد حرم الله هذه الفعلة القبيحة على المؤمنين من الرجال والنساء على السواء , قال ربنا – سبحانه وتعالى - :" الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( ).
فالله الذي حرمها على المؤمنين صرفها عن نبيه يوسف – عليه السلام :" كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ( ) ؛ وذلك بعد أن حمل هماً وهمة , وإلحاحاً على الله في الدعاء , وعزماً وعزيمة , قال ربنا – سبحانه وتعالى :" قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( ).
إن من حطم شباك الفاحشة وقع فيها , ومن حافظ على شباكها , حفظه الله ورعاه , وشباكاها : غض البصر , وعدم الخلوة , وارتداء الملابس الواسعة التي لا تشف بالنسبة للمرأة, وارتداء الحجاب , وعدم الاختلاط إلا بضوابطه , وعدم ابداء الزينة , قال تعالى:" قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ) .
- خطباء الفتنة وهي عقبة دعوية يشترك فيها الرجال والنساء على السواء
قال : "ثم أتى على قوم تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء قال: يا جبريل ما هؤلاء؟ قال: خطباء الفتنة( ).
وخطباء الفتنة من الرجال والنساء أضر على الأمة من ألف مدفع , فهم يدمرون العقول والقلوب , ويصلون إلى كل الشرائح وخصوصا إذا كان عندهم لحن القول , ولذلك جاء الجزاء من جنس العمل , فاللسان الذي حرف قول وقول رسوله –صلى الله عليه وسلم - , قرض بمقارض من نار , عن أسامة –رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم - يقول :" يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه , فيجتمع أهل النار عليه , فيقولون: أي فلانا ما شأنك ؟ أليس كنت تأمرننا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه"( ).
- الخيانة وعدم المقدرة على رد الأمانة
قال : "ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها هو يريد أن يزيد عليها فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا رجل من أمتك عليه أمانة الناس لا يستطيع أداءها وهو يزيد عليها"( ).
إن حمل الأمانة تكليف وليس تشريف , والله يأمر من حملها أن يؤديها كما حملها غير منقوصة ولا مشوهة , قال تعال:" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا "( ).
قيمة الكلمة وخطورتها:
قال:"ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم فيريد الثور أن يدخل من حيث خرج فلا يستطيع فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة فيندم عليها فيريد أن يردها فلا يستطيع"( ).
ولذلك أمر ربنا الإنسان أن ينتقي أفضل كلماته إذا أراد التحدث , قال تعالى:" وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا" ( ).
وشبه الكلمة الطيبة من القول بالشجرة الطيبة , فقال تعالى:" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ" ( ).
وقال النبي –صلى الله عليه وسلم – ناصحا معاذا –رضي الله عنه -:" قال كف عليك هذا فقلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون مما نتكلم به ؟ فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم"( ).
- قطع الطريق وعدم إعطائه حقه:
قال : ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته ، قال :" ما هذا يا جبريل ؟ " ، قال : هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ، ثم تلا : "وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا"( ).
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :" إياكم والجلوس بالطرقات ", فقالوا: يا رسول الله مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها , فقال :" فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه " , قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال:" غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ).
العقبات التعبدية , ويشترك فيها الرجال والنساء على السواء:
الافطار في رمضان:
قال:"ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دما قال : قلت : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم" ( ).
التثاقل عن الصلاة:
قال:"ثم أتى على قوم ترضخ (الرضخ: الدق والكسر) رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت،ولا يفتر عنهم من ذلك شيء،قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن الصلاة"( ).
ترك الزكاة:
قال:"ثم أتى على قوم على أدبارهم رقاع وعلى أقبالهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع والزقوم (الضريع: نبت بالحجاز له شوك كبار،والزقوم: نبات في البادية له زهر ياسميني الشكل - كما في النهاية والقاموس) ورضف (الرضف: الحجارة المحماة) جهنم، قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبيد"( ).
إن هذه المشاهد التحذيرية للأمة , تلفت انتباههم أن التفريط في عباداتهم , سيجعلهم لقمة سهلة لعدوهم من الإنس والجن على السواء , وإن أرادوا تحصينا لأنفسهم وأموالهم فعليهم بالالتزام بآدائها في وقتها على وجهها الذي أمر الله به , يقول ربنا:" وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( ).
إن هذه العبادات زاد المؤمنين في حياتهم الاجتماعية , والاقتصادية , والحربية , والسياسية , ففيها الراحة والأمان , يقول تعالى:" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ "( ).
وإن هذه العبادات آداؤها شمولي تكاملي , فلا ينبغي لرجل أو امرأة أن يقول آمنت بالصلاة وكفرت بالصوم , أو سأحج ولكني لن أزكي , يقول ربنا سبحانه :" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ"( ).
وعن أبي المثنى العبدي، قال: سمعت السدوسي يعني ابن الخصاصية-رضي الله عنه -، قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبايعه، قال: فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله , فقلت: يا رسول الله، أما اثنتان ، فوالله ما أطيقهما: الجهاد والصدقة، فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر، فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت تلك جشعت نفسي، وكرهت الموت، والصدقة فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذود، هن رسل أهلي وحمولتهم, قال: فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يده، ثم حرك يده، ثم قال: " فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذا؟ " قال: قلت: يا رسول الله، أنا أبايعك , قال: فبايعته عليهن كلهن" ( ).
- أما عن العقبات الاقتصادية فكثيرة , من مشاهدها على سبيل المثال:
صفة أكلة أموال اليتامى من الرجال والنساء , وإن ذكرت الرواية الرجال فهو للتغليب .
قال :"ثم رأيت رجالاً لهم مشافر كمشافر الإبل في أيديهم قطع من نار كالأفهار يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم , فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلما "( ).
إن أمة يؤكل حق الضعيف بين أفرادها لهي أمة مهزومة لا محالة , كيف لا والضعيف يُستنصر ويسترزق به في ساعة الشدائد , يقول تعالى محذراً :" إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا"( ).
ويقول تعالى :" وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"( ).
إن الذي يعتدي على مال الضعفاء من اليتامى والأرامل يوبق نفسه , ويوردها المهالك , ويفسد على نفسه حياته وحياة من يرعاه ويكفله , عن أبي هريرة - رضي الله عنه - : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :" اجتنبوا السبع الموبقات " , قالوا: يا رسول الله وما هن ؟ قال :" الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات "( ).
صفة أكلة الربا من الرجال والنساء:
قال :" ثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قط بسبيل آل فرعون يمرون عليهم كالإبل المهيومة حين يعرضون على النار يطئونهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك , قال قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال هؤلاء أكلة الربا"( ).
قال تعالى:" الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" ( ).
ويقول :" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ "( ).
إن آكل الربا يحارب الله – عز وجل – ورسوله – صلى الله عليه وسلم - , ومن حارب الله ورسوله , سلط الله – عز وجل عليه جنوده , فأهلكت ماله , وسلبت بركته يقول ربنا سبحانه :"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ( ).
وعن جابر –رضي الله عنه - قال : لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء "( ).
إن هذه الأرجاس والعقبات مجتمعة , لو اجتمعت في أمة لأهلكتها , ولذلك جاءت كرسائل تحذيرية في بداية مرحلة جديدة من عمر الدعوة والأمة وهي مقبلة على بناء دولتها الوليدة في المدينة المطهرة .
إن المعاصي سبب المصائب والمآسي فهي تقصم الأعمار وتحبس الأمطار، وتخرب الديار, قال تعالى:" وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ"( ).
وجاء في الحديث: عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما – قال: أقبل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فقال :" يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن :لم تظهر الفاحشة في قوم قط , حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا , ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم , ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا , ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما بأيديهم , وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم"( ).
إن الذنوب هي التي أغرقت قوم نوح بالطوفان , وأطبقت على فرعون وجنوده البحر, وسلَّطت الريح العقيم على عاد، وأرسلت الحاصب وأمطرت الحجارة على قوم لوط , وقَلَبت عليهم عالي البلاد سافلها, وهي التي خسفت بقارون , وأمطرت النار المحرقة والصيحة على قوم شعيب .
وما نشاهده اليوم من العقوبات في بعض البلدان لهو أكبر زاجر وواعظ ، حروب ودمار وشتات وفرقة وتناحر وزلازل وأعاصير وبراكين وفيضانات، وصدق الله: "فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ "( ) , وقال تعالى : " قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ"( ).
مواقف بطولة من صنع المرأة في العهد المكي(9) بيعة العقبة الكبرى
عاطف أبو زيتحار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بيعة العقبة الكبرى
كانت بيعة العقبة في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة ـ يونيو سنة 622م ـ حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسًا من المسلمين من أهل يثرب،جاءوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، وقد تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم ـ وهم لم يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق : حتى متى نترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف ؟
فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - اتصالات سرية أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل ( ).
قال كعب بن مالك الأنصاري - رضي الله عنه - : خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام أبو جابر- رضي الله عنهما- ، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا ـ وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا ـ فكلمناه وقلنا له : يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدًا , ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة - ، قال : فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبًا ( ).
أخرج الإمام الشيباني بسنده في الآحاد والمثاني عن طلحة بن خراش السلمي قال : سمعت جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - ، يقول : فأوحى الله تعالى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة أن اختر منهم اثني عشر نقيبا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يغضبن رجل أخذت غيره ، فإنما يشير إليهم جبريل - عليه السلام - رجلا رجلاً ، فأخذ من بني سلمة : البراء بن معرور ، وعبد الله بن عمرو بن حرام ، ومن بني عوف بن الخزرج : عبادة بن الصامت ، ومن بني الحارث بن الخزرج : عبد الله بن رواحة ، وسعد بن الربيع ، ومن بني ساعدة : سعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو ، ومن بني النجار : أبا أمامة أسعد بن زرارة ، ومن بني زريق : رافع بن مالك ، وفي الأوس من بني عبد الأشهل : أبو الهيثم بن التيهان وأسيد بن حضير ، ومن بني عمرو بن عوف : سعد بن خيثمة( ).
وكما أن للرجل حضور فكذلك كانت المرأة حاضرة , لها عهدها وبيعتها , بايعت كما بايع الرجال , والتزمت بنودها كما التزموها..
فبايعت نسيبة بنت كعب بن عمرو من بني مازن بن النجار وهي أم عمارة قتل مسيلمة ابنها حبيب بن زيد بن عاصم ، شهدت بيعة العقبة وبيعة الرضوان ، وشهدت يوم اليمامة ، وباشرت القتال بنفسها ، وشاركت ابنها عبد الله في قتل مسيلمة فقطعت يدها ، وجرحت اثني عشر جرحا ، ثم عاشت بعد ذلك دهرا ، وكانوا يأتونها بمرضاهم لتستشفي لهم فتمسح بيدها الشلاء على العليل وتدعو له , فقل ما مسحت بيدها ذا عاهة إلا برئ , وبايعت أم شبات فقد شهدت العقبة وكانت على رحال القوم وهي ابنة سباع أسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي من بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة وهي أم منيع بن عمرو ومن بني زريق بن رافع بن مالك, ويروى أن أم عمارة قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى للنساء شيئا ، فأنزل الله تعالى : " إن المسلمين والمسلمات " ( ).
إن هذه البيعة ليست بيعة على رحلة خلوية ترفيهية , وليست بيعة على مجرد نقلة من الخراب إلى العمران , ومن التفرق إلى الوحدة , إنها بيعة حربية , من وراء بنودها قتل الأشراف ونهكة الأموال , وبالرغم من ذلك بايعت المرأة كما بايع الرجل لأنها أبصرت من وراء بنودها مقاصد , ومن وراء شروطها مفاوز وغنائم , قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري ، أخو بني سالم بن عوف – رضي الله عنه - : يا معشر الخزرج ، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم قال إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس , فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله - إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة , وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة , قالوا : فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا ؟ قال: " الجنة " ؛ قالوا : ابسط يدك ، فبسط يده فبايعوه . وأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال والله ما قال ذلك العباس إلا ليشد العقد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أعناقهم ( ).
إن هؤلاء النسوة ببيعتهن ترجلن , فعندما تبايع على أن تمنع رسول الله –صلى الله عليه وسلم - مما يمنع منه الرجال الأزر فقد ترجلت , في وقت تدنت فيه أخلاق قوم نابذوه وأشاعوا حوله الأراجيف , وعذبوه وعذبوا أصحابه , وقتلوا بعضهم تحت وطأة التعذيب , بل عندما تبايع على الدم والهدم فليس بعد الموت شيء إلا الجنة أو النار , ولذلك أسرعن وبايعن بعد سماعهن , فمالنا إن وفينا ؟ , قال : " لكم الجنة".
قال السهيلي في بيان بعض ألفاظ البيعة : قول البراء بن معرور : نبايعك على أن نمنعك مما نمنع منه أزرنا , أراد نساءنا ، والعرب تكني عن المرأة بالإزار وتكني أيضا بالإزار عن النفس وتجعل الثوب عبارة عن لابسه كما قال:
رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبها إلا النعام المنفرا
أي بأبدان خفاف فقوله مما نمنع أزرنا يحتمل الوجهين جميعا ، وقد قال الفارسي في قول الرجل الذي كتب إلى عمر من الغزو يذكره بأهله:
ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري
قال الإزار كناية عن الأهل وهو في موضع نصب بالإغراء أي احفظ إزاري ، وقال ابن قتيبة : الإزار في هذا البيت كناية عن نفسه ومعناه فدا لك نفسي ، وهذا القول هو المرضي في العربية والذي قاله الفارسي بعيد عن الصواب لأنه أضمر المبتدأ وأضمر الفعل الناصب للإزار ولا دليل عليه لبعده عنه وبعد البيت ما يدل على صحة القول المختار وهو:
قلائصنا هداك الله مهلا ... شغلنا عنكم زمن الحصار
فنصب قلائصنا بالإضمار الذي جعله الفارسي ناصبا للإزار .
وذكر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمبايعين له " بل الدم الدم والهدم الهدم وقال ابن هشام : الهدم بفتح الدال , قال ابن قتيبة : كانت العرب تقول عند عقد الحلف والجوار دمي دمك وهدمي هدمك ، أي ما هدمت من الدماء هدمته أنا ، ويقال أيضا : بل اللدم اللدم والهدم الهدم ، وأنشد : ثم الحقي بهدمي ولدمي
فاللدم جمع لادم وهم أهله الذين يلتدمون عليه إذا مات وهو من لدمت صدره إذا ضربته , والهدم قال ابن هشام : الحرمة وإنما كنى عن حرمة الرجل وأهله بالهدم لأنهم كانوا أهل نجعة وارتحال ولهم بيوت يستخفونها يوم ظعنهم فكلما ظعنوا هدموها ، والهدم بمعنى المهدوم كالقبض بمعنى المقبوض ثم جعلوا الهدم وهو البيت المهدوم عبارة عما حوى ، ثم قال هدمي هدمك أي رحلتي مع رحلتك أي لا أظعن وأدعك وأنشد يعقوب:
تمضي إذا زجرت عن سوأة قدما ... كأنها هدم في الجفر منقاض( ).
مواقف بطولة من صنع المرأة في العهد المكي(8)المناسبات الإسلامية, (الهجرة إلى الحبشة).
عاطف أبو زيتحار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهجرة إلى الحبشة
لقد فرت بدينها وضحت وهاجرت وركبت البحر وعانت من ويلات السفر وملاحقة الأعداء , ففي الفوج الأول من الهجرة الأولى إلى الحبشة المكون من بضعة أسر, كما روى الواقدي أن خروجهم إليها في رجب سنة خمس من البعثة ، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب، فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة( ).
لقد كانت المرأة بجوار الرجل كتفاً بكتف , فكان أول من هاجر كما ذكر المؤرخون وأصحاب المغازي والسير : رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مع زوجها عثمان بن عفان – رضي الله عنهما- , وسهلة بنت سهيل بن عمرو خرجت مراغمة لأبيها فارة عنه بدينها، زوجة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة الذي خرج هو الآخر هاربا عن أبيه بدينه , وولدت لزوجها بأرض الحبشة: محمد بن أبي حذيفة صنو الزبير بن العوام ؛ وأم سلمة بنت أبي أمية زوجة أبو سلمة بن عبد الأسد ؛ وليلى بنت أبي حثمة بن غانم العدوية زوجة عامر بن ربيعة حليف آل الخطاب ؛ وأم كلثوم بنت سهيل بن عمرو زوجة أبي سبرة أبي رهم العامري، ثم خرجت بعدهن أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب ، وولدت له هناك بنيه: محمدا وعبد الله وعونا ؛وفاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث بن شق بن رقبة بن مخدج الكنانية زوجة عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية , وأمية بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن يثيع الخزاعية زوجة خالد بن سعيد بن العاص, وولدت له هناك ابنه سعيدا وابنته أم خالد واسمها آمنة بنت خالد ؛ وأم حبيبة بنت أبي سفيان زوجة عبيد الله بن جحش الذي تنصر وارتد عن دينه ومات نصرانيا , ففارقته وتزوجت بعد عودتها برسول الله – صلى الله عليه وسلم - , وبركة بنت يسار مولاة أبي سفيان بن حرب زوجة قيس بن عبد الله حليف لبني أمية بن عبد شمس , وحرملة بنت عبد الأسود بن جذيمة بن الأقيش بن عامر بن بياضة بن يثبع بن جعثمة بن سعيد بن مليح بن عمرو من خزاعة زوجة جهم بن قيس بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار العبدري , وريطة بنت الحارث بن جبيلة بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة زوجة الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ، وولدت له هناك موسى وزينب وعائشة وفاطمة , وفاطمة بنت المجلل العامرية زوجة حاطب بن الحارث بن معمر الجمحي ، وولدت له هناك محمدا والحارث , وفكيهة بنت يسار زوجة حطاب بن الحارث بن معمر الجمحي , وحسنة زوج سفيان بن معمر بن حبيب الجمحي، وعمرة بنت أسعد بن وقدان بن عبد شمس العامرية زوج مالك بن ربيعة بن قيس العامري , وسودة بنت زمعة زوج السكران بن عمرو , وبعد عودتهم في المرة الأولى ظانين هدوء قريش وعدم ملا حقتها , عادوا مرة ثانية إلى الحبشة بعد أن اشتد إيذاء قريش وهاجر معهم خلق كثير .
يقول بن اسحاق وغيره: ثلاثة وثمانون رجلاً إن كان عمار بن ياسر فيهم واثنان وثمانون رجلاً إن لم يكن فيهم ، قال السهيلي: وهو الأصح عند أهل السير كالواقدي، وابن عقبة وغيرهما( ) وثماني عشرة امرأة: إحدى عشرة قرشيات، وسبع غير قرشيات، وذلك عدا أبنائهم الذين خرجوا معهم صغارًا، ثم الذين ولدوا لهم فيها( ).
لقد ثبتت المرأة في هجرتها هذه على دينها رغم مفارقة زوجها له , ومن ذلك أم حبيبة – رضي الله عنها - , تحملت في ذات الله الكثير , وكانت مكافأتها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – زوجا لها .
وظلت بجوار الزوج والأولاد ترعى وتربي , وتدعوا إلى الله , وتضحي بالغالي والنفيس حتى عادت إلى مكة , أو إلى المدينة المنورة , فهاجرت الهجرتين كرقية وغيرها من المسلمات , قال عثمان بن عفان - رضى الله عنه - : يا رسول الله، فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة إلى النجاشي، ولست معنا...؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" أنتم مهاجرون إلى الله وإلي، لكم هاتان الهجرتان جميعاً". فقال عثمان –رضي الله عنه - : فحسبنا يا رسول الله( ).
وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: ودخلت أسماء بنت عميس, وهي ممن قدم معنا, على حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم- زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر, فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها، فقال عمر –رضي الله عنه - حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، قال عمر –رضي الله عنه -: الحبشية هذه، البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله- صلى الله عليه وسلم - منكم، فغضبت، وقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطعم جائعكم, ويعظ جاهلكم, وكنا في دار -أو في أرض- البُعداء البُغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وأيم الله لا أطعم طعامًأ ولا أشرب شرابًا, حتى أذكر ما قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن كنا نُؤذى ونُخاف وسأذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: يا نبي الله، إن عمر –رضي الله عنه - قال كذا وكذا، قال: " فما قلتِ له؟" , قالت: قلت له كذا وكذا، قال: " ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان , قالت: فلقد رأيت أبا موسى –رضي الله عنه - وأصحاب السفينة يأتون أرسالا يسألوني عن هذا الحديث ما من الدنيا شيء هم به أفرحُ ولا أعظمُ في أنفسهم مما قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ( ).
أيضاً (يرتبط زواج الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأم حبيبة بهجرة الحبشة ارتباطًا وثيقًا، ويحمل هذا الزواج منه - صلى الله عليه وسلم - , لأحد المهاجرات الثابتات, معنى كبيرًا، وكان عقد الزواج على أم حبيبة -رضي الله عنها- وهي في أرض الحبشة، وجاء تأكيده في كتب السنة، فقد روى أبو داود في سننه بسند صحيح عن أم حبيبة -رضي الله عنها- أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشيُّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع شرحبيل بن حسنة( ).
ويستنتج الباحث من دلالات هذا الحديث المهم متابعةَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأحوال المهاجرين، ومشاركتهم في مصابهم، وتطييب أنفس الصابرين، وتقديرَ ثبات الثابتين وبالتتبع لأحوال المهاجرات لا نجد (أم حبيبة) - رضي الله عنها - هي الوحيدة التي يعني الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بأمرها، ويواسيها في مصابها، بل سبق ذلك صنيعه مع (سودة) - رضي الله عنها - فلما رجعت مع زوجها إلى مكة من الحبشة توفي زوجها السكران بن عمرو، فلما حلت أرسل إليها - صلى الله عليه وسلم - وخطبها، فقالت: أمري إليك يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "مري رجلاً من قومك يزوجك" , فأمرت حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود فزوجها، فكانت أول امرأة تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد خديجة.
وهذان الحدثان مؤشران, من مؤشرات حكمة تعدده - صلى الله عليه وسلم - في الزواج بشكل عام ولهما دلالتهما وحكمتهما بالاهتمام بالنساء المجاهدات بشكل خاص, هذا فضلاً عن ما يمكن أن يقال, إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يهدف أيضا من وراء الزواج بأم حبيبة تخفيف عداوة (بني أمية) بشكل عام، وتخفيف عداوة زعيمهم أبي سفيان (والدها) بشكل أخص للإسلام ونبيه والمسلمين.
فالتأليف للإسلام وارد في السيرة والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان حريصًا على قومه بكل وسيلة لا تتنافى مع قيم الإسلام..( ).
مواقف بطولة من صنع المرأة (7) ( المناسبات الإسلامية) المولد النبوي
عاطف أبو زيتحار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن المناسبات الإسلامية , كثيرة في العهد المكي , فكل موقف فيه لون دعوة , أو تضحية , يصلح أن يكون مناسبة , وذلك لقلة عدد المسلمين , وكثرة عدد عدوهم وعلوه في الأرض , وذلك بخلاف العهد المدني , الذي كثر فيه عدد المسلمين , وأصبحت لهم دولة , وقيادة , ودستور ينظم حياتهم .
وبالرغم من تعدد الجبهات المناوئة للدعوة الإسلامية في العهد المدني – يهود , مشركين , منافقين , نصارى على أطرف المدينة - , وقلتها في العهد المكي – جبهة واحدة , هي جبهة المشركين - , فإن عدد المسلمين وقوتهم في العهد المدني غلبت جبهات عدوهم لاختلافهم وتفرقهم , فالمسلمون هم الحاكمون المسيطرون بقيادتهم الحكيمة الرشيدة , ودستورهم الذي ينظم حياتهم , وينظم علاقتهم بغيرهم , وطبيعة ارضهم التي يقطنونها , بخلاف العهد المكي فقلة عدد المسلمين وضعفهم , وكثرة عدد عدوهم , جعل للمواقف الدعوية وما يصحبها من تضحيات مذاق خاص في دراستها وتحليلها...
ومثل المواقف التربوية والدعوية وما صحبها من تضحيات في العهدين , كمثل الوردة وسط الأشواك تلفت الانتباه , أكثر منها وسط أخواتها وإن كانت أجمل , وومضة النور وسط الظلام تجذب البصر أكثر منها وسط الأنوار الساطعة وإن كانت أزهى , ونبع الماء العذب وسط البحيرات المالحة يدعوا للتعجب أكثر منه وسط الأنهار العذبة وإن كانت أحلى وأعذب , والنبتة الخضراء وسط الصحاري القاحلة تلفت الانتباه أكثر منها وسط الحقول والبساتين وإن أنضر وأثمر..
لقد تواجدت المرأة المسلمة في العهد المكي , بجوار الرجال في كل المناسبات التي دون أحداثها المؤرخون وأسند لها المحدثون , فما من مناسبة إسلامية , معروفة في التاريخ إلا ولها تواجد وبصمات واضحة .., وما تركت الميدان للرجال يحملون أخباره , ويتناقلون أسراره..., ويستأثروا به وحدهم...
لقد اخترت بعض المناسبات الإسلامية التي أرخ لها وأصبحت مشهورة مستفيضة بين المسلمين , وجعلت أولها المولد , وثنيت بالهجرة إلى الحبشة , ثم تبعتها بالبيعة والحصار , ثم ذكرت حديث الإسراء عنها , ثم ختمت بدروس من حياتها الكريمة في الهجرة النبوية ..
في رحاب المولد
مع إرهاصات الميلاد , برزت بعض الشخصيات وحفرت اسمها بأحرف من نور , وتناقلت كتب التاريخ أخبارها , ومن بين هؤلاء السيدة آمنة بنت وهب , والسيدة حليمة السعدية , والسيدة أم أيمن , والسيدة ثويبة وغيرهن , فأم النبي – صلى الله عليه وسلم- السيدة آمنة بنت وهب الحسيبة النسيبة , التي ولدت النبي – صلى الله عليه وسلم – من نكاح كنكاح الإسلام , كانت آخر السلاسل الطاهرة التي تقلب النبي –صلى الله عليه وسلم - في أرحامها وظهورها فعن ابن عباس –رضي الله عنهما –في قوله تعالى:" وتقلبك في الساجدين " , قال : من نبي إلى نبي حتى أخرجت نبيا( ).
وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال:" أخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح"( ).
قال محمد بن اسحاق : حدثني والدي إسحاق بن يسار، قال: حدثت " أنه كان لعبد الله بن عبد المطلب امرأة مع آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فمر بامرأته تلك وقد أصابه أثر من طين عمل به فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لما رأت من عمل الطين، فدخل فغسل عنه أثر الطين، ثم دخل عامدا إلى آمنة، ثم دعته صاحبته التي كان أراد إلى نفسها فأبى للذي صنعت به أول مرة، فدخل على آمنة فأصابها ثم خرج فدعاها إلى نفسه , فقالت: لا حاجة لي بك، مررت بي وبين عينيك غرة، فرجوت أن أصيبها منك، فلما دخلت على آمنة ذهبت بها منك، قال ابن إسحاق: فحملت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فكانت آمنة بنت وهب تحدث أنها أتيت حين حملت بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأم...الحديث( ).
قال بن سعد في الطبقات : وقد اختلف علينا في المرأة التي عرضت نفسها على عبد الله بن عبد المطلب ، فمنهم من يقول: كانت قتيلة بنت نوفل ابن أسد بن عبد العزى بن قصي أخت ورقة بن نوفل، ومنهم من يقول: كانت فاطمة بنت مر الخثعمية( ).
لقد فازت آمنة بنت وهب بهذا المولود الذي سيغير الوجود , وسيضيئ الكون , وسيمحو أثر الجاهلية , يروي ابن سحاق أن حليمة قالت بعد حادثة شق صدره في باديتهم : وقال لي أبوه يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فالحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به , قال: فاحتملناه فقدمنا به على أمه , فقالت: ما أقدمك به يا ظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟ , قالت : فقلت فقد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي وتخوفت الأحداث عليه فأديته إليك كما تحبين , قالت : ما هذا شأنك فأصدقيني خبرك , قالت : فلم تدعني حتى أخبرتها , قالت أفتخوفت عليه الشيطان ؟ قال : قلت نعم , قالت: كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل , وإن لبني لشأنا أفلا أخبرك خبره ؟, قالت: قلت بلى , قالت : رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام , ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف علي ولا أيسر منه ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء دعيه عنك وانطلقي راشدة( ).
إنها بفراستها في ابنها , وبثباتها أمام هذه المشاهد من شق صدره وغيره , وبنقلها هذه الرؤى والأخبار استحقت هذا التكريم , وكيف لا وهي أم سيد هذه الأمة وخاتم النبيين.
- أما حليمة السعدية – رضي الله عنها- مرضعة النبي – صلى الله عليه وسلم – التي لم ينس النبي- صلى الله عليه وسلم – ماضيها فأحسن إلى قومها هوازن قال الإمام البخاري : ما سأل هوازن النبي - صلى الله عليه وسلم - برضاعه فيهم فتحلل من المسلمين , وما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعد الناس أن يعطيهم من الفيء والأنفال من الخمس , وما أعطى الأنصار وما أعطى جابر بن عبد الله تمر خيبر ( ).
يقو الامام بن كثير : إن بركته عليه الصلاة والسلام حلت على حليمة السعدية وأهلها وهو صغير، ؟ ثم عادت فواضله على هوازن بكمالهم حين أسرهم بعد وقعتهم، وذلك بعد فتح مكة بشهر ؛ فمتوا إليه برضاعه فأعتقهم وتحنن عليهم وأحسن إليهم( ).
كانت السيدة حليمة تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء , قالت: وفي سنة شهباء لم تبق لنا شيئا؛ قالت: فخرجت على أتان لي قمراء معنا شارف لنا والله ما تبض بقطرة ولا ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع ما في ثديي ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذيه ولكنا نرجوا الغيث والفرج ؛ فخرجت على أتاني تلك فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك , فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري ؛ فلما أجمعنا الانطلاق , قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه؛ قال: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة ؛ قالت: فذهبت إليه فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره؛ فلما أخذته رجعت به إلى رحلي , فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روى , وشرب معه أخوه حتى روى ثم ناما , وما كنا ننام معه قبل ذلك , وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل فحلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا ؛ فبتنا بخير ليلة , يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة قلت والله إني لأرجو ذلك ؛ ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته عليها معي فوالله لقطعت بالركب ما يقدر علي شيء من حميرهم , حتى إن صواحبي ليقلن : يا بنت أبي ذؤيب ويحك اربعي علينا أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ , فأقول لهن: بلى والله إنها لهي , فيقلن: والله إن لها لشأنا , قالت : ثم قدمنا منازلنا من بني سعد ولا أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها , فكانت غنمى تروح علي حين قدمنا به معنا شباعا لبنا فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع , حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فتروح أغناهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعا لبنا
فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتان وفصلته, وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا, فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمه وقلت لها لو تركت بني عندي حتى يغلظ فإني أخشى عليه وباء مكة, فلم نزل بها حتى ردته معنا فرجعنا به, فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه ؛ قالت : فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائما منتقعا وجهه؛ قالت : فالتزمته والتزمه أبوه فقلنا ما لك يا بني؟ قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو( ).
لقد كانت السيدة حليمة حريصة على هذه الأمانة التي أودعت عندها ومعتنية وخائفة عليها من يصيبها أذى أو مكروه أكثر من أولادها وذلك لما رأت وسمعت عن المستقبل الذي ينتظره , ذكر الواقدي أن أمه حليمة السعدية – رضي الله عنها - بعد أن رجعت به من عند أمه حضرت به سوق ذي المجاز وبها يومئذ عراف من هوازن يؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم فلما نظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وإلى الحمرة في عينيه وإلى خاتم النبوة صاح يا معشر العرب فاجتمع إليه أهل الموسم , فقال: اقتلوا هذا الصبي وانسلت به حليمة , فجعل الناس يقولون أي صبي هو؟ , فيقول : هذا الصبي فلا يرون شيئا , قد انطلقت به أمه , فيقال له: ما هو فيقول: رأيت غلاما وآلهته ليغلبن أهل دينكم وليكسرن أصنامكم وليظهرن أمره عليكم , فطلب بعكاظ فلم يوجد , ورجعت به حليمة إلى منزلها فكانت بعد هذا لا تعرضه لأحد من الناس.
ولقد نزل بهم عراف فأخرج إليه صبيان أهل الحاضر وأبت حليمة أن تخرجه إليه إلى أن غفلت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فخرج من المظلة فرآه العراف فدعاه فأبى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودخل الخيمة فجهد بهم العراف أن يخرج إليه فأبت فقال هذا نبي( ).
يقول الواقدي : وكانت حليمة بعد رجوعها به من مكة لا تدعه أن يذهب مكانا بعيدا, فغفلت عنه يوما في الظهيرة فخرجت تطلبه حتى تجده مع أخته فقالت في هذا الحر فقالت أخته يا أمه ما وجد أخى حرا رأيت غمامة تظل عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع ؛ تقول أمها أحقا يا بنية قالت إي والله قال تقول حليمة أعوذ بالله من شر ما يحذر على ابني( ).
لقد أفاد النبي – صلى الله عليه وسلم - في بادية بني سعد واستفاد , أفادهم بركة حلت بأموالهم وأولادهم , واستفاد فصاحة وبيانا حيث أصبح فيما بعد من أفصح الخلق، فعندما قال له أبو بكر - رضي الله عنه - يا رسول الله ما رأيت أفصح منك. فقال - صلى الله عليه وسلم - : "وما يمنعني وأنا من قريش وأرضعت في بني سعد" ( ).
- وأما ثويبة فقد أرضعت النبي – صلى الله عليه وسلم – بضعة أشهر قبل حليمة السعدية , وفرحت بمولده فرحا كبيرا , قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:" أرضعتني وأبا سلمة ثويبة "( ).
كانت ثويبة جارية لأبي لهب , أعتقها حين بشرته بميلاد النبي – صلى الله عليه وسلم - .( ).
عروة بن الزبير –رضي الله عنه -أن زينب بنت أبي سلمة –رضي الله عنهما -أخبرته : أن أم حبيبة بنت أبي سفيان –رضي الله عنهما - أخبرتها : أنها قالت : يا رسول الله أنكح أختي بنت أبي سفيان؟ , فقال :" أوتحبين ذلك "؟ ؛ فقلت :نعم لست لك بمخلية وأحب من شاركني في الخير أختي , فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: " إن ذلك لا يحل لي " , قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة ؟ قال :" بنت أم سلمة؟ ", قلت: نعم, فقال :" لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي أنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن " ؛ قال عروة : وثويبة مولاة لأبي لهب كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي - صلى الله عليه وسلم- فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشرحيبة , قال له : ماذا لقيت ؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة ( ).
هذا حال من بُشر ومات كافرا, فكيف بمن بَشرت وماتت مؤمنة مسلمة ؟
- أما أم أيمن – رضي الله عنها – واسمها بركة , فكانت الحاضنة والمربية للنبي – صلى الله عليه وسلم - , وكان لها منزلة عالية في نفس النبي – صلى الله عليه وسلم- , فكان يغدو عليها زائرا ما بين والحين عن أنس –رضي الله عنه -قال : قال أبو بكر - رضي الله عنه - بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر –رضي الله عنه - :انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزورها , فلما انتهينا إليها بكت , فقالا لها ما يبكيك ؟ ما عند الله خير لرسوله - صلى الله عليه وسلم – , فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء , فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها( ).
وفي يوم دفعت للنبي – صلى الله عليه وسلم – شرابا فرده إما لصوم أو لغيره فصخبت عليه بطبيعة الأم التي حضنت وربت أنه لم يشرب , فعن أنس –رضي الله عنه – قال : انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أم أيمن فانطلقت معه , فناولته إناء فيه شراب , قال : فلا أدري أصادفته صائما , أو لم يرده فجعلت تصخب عليه وتذمر عليه ( ).
وأما فاطمة بنت أسد أم علي – رضي الله عنهما – فأوجز النبي – صلى الله عليه وسلم- ماضيها وحالها معه في جوامع كلمه , عن أنس بن مالك قال : لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي دخل عليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فجلس عند رأسها , فقال :"رحمك الله يا أمي كنت أمي بعد أمي تجوعين وتشبعيني , وتعرين وتكسونني , وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعميني , تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة , ثم أمر أن تغسل ثلاثا وثلاثا , فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه عليها رسول الله –صلى الله عليه وسلم - بيده ثم خلع رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قميصه فألبسها إياه وكفنت فوقه ثم دعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاما أسودا –رضي الله عنهم - ليحفروا فحفروا قبرها فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله – صلى الله عليه وسلم - بيده وأخرج ترابه بيده , فلما فرغ دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاضطجع فيه :"وقال الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين ثم كبر عليها أربعا ثم أدخلوها القبر هو والعباس وأبو بكر الصديق - رضي الله عنهم-( ).
هذه المواقف وانفعال النبي – صلى الله عليه وسلم - تجاهها , يعلمنا أن الحر هو من يرعى ود لحظة , فلم ينس ما فعلته حليمة أو أم أيمن أو فاطمة بنت أسد – رضي الله عنهن أجمعين-
عن أبي الطفيل –رضي الله عنه - قال: كنت غلاما أحمل عضو البعير، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم لحما بالجعرانة، فجاءته امرأة فبسط رداءه، فقلت: من هذه ؟ فقالوا: أمه التي أرضعته( ).
إن ذكر الماضي الحسن من شيم الأحرار والأبرار , ونسيانه عادة نسائية " تكثرن اللعن وتكفرن العشير "( ).
فلتتعلم الأمة رجالا ونساء الإحسان من هذه المواقف , وكيف ترد الجميل إلى من أحسن .
الغلو في فهم السنة وآثاره السيئة وطرق علاجه.
عاطف أبو زيتحار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تعددت معاني الغلو في الاصطلاح على النحو التالي:
المعنى الأول: عرفه ابن تيمية بقوله:والغلو مجاوزة الحد , بأن يزاد في مدح الشيء أو ذمه على ما يستحق, ونحو ذلك( ).
المعنى الثاني: عرفه ابن حجر بقوله: وأما الغلو: فهو المبالغة في الشيء, والتشديد فيه بتجاوز الحد, وفيه معنى التعمق( ).
المعنى الثالث : مجاوزة الحد في كل شيء ( ) .
المعنى الرابع : التعمق , أو الإفراط , أو مجاوزة الحد في الأقوال والأعمال( ).
المعنى الخامس : تحميل الأقوال , أو الكلمات فوق ما تحتمل , والتنطع بهذا المعنى يساوي الغلو , كما يساوي التشدد في الدين( ).
المعنى السادس : يقول العلامة محمد رشيد رضا ( ) :الغلو : الإفراط وتجاوز الحد في الأمر( ).
المعنى السابع : وعرف الشيخ أبو زهرة الغلو بأنه : تجاوز الحد ، وهو في الدين التعصب له ، والتشدد فيه ، وتجاوز الحد في أداء ما يطلب كالانهماك في العبادة كما كان يفعل بعض المتشددين في دينهم الذين نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ( ) , في قوله- صلى الله عليه وسلم- :" إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" .( ) , وقوله – صلى الله عليه وسلم- : " إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه , فسددوا وقاربوا وأبشروا"( ).
المعنى الثامن : هو تجاوز الحد سلباً أو إيجاباً( ).
المعنى التاسع :الانهماك في الطاعات , وحرمان البدن حقه من الراحة والطيبات( ).
المعنى العاشر : التعصب للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر( ).
من خلال ما سبق من تعريفات لغوية واصطلاحية يتبين لنا أن الغلو هو: الانحراف من الحقيقة والجوهر إلى الشكل والمظهر , ومن العطاء والعمل إلى الكلام والجدل ,ومن العقلانية العملية إلى العاطفية , ومن الرؤوس والأصول إلى الفروع والذيول , ومن التيسير والتبشير إلى التعسير والتنفير , ومن الاجتهاد والتجديد إلى الجمود والتقليد , ومن التسامح والانطلاق إلى التعصب والانغلاق , ومن الوسطية والاعتدال إلى التفريط والانحلال , ومن الرفق والرحمة إلى العنف والنقمة , ومن الائتلاف والتضامن إلى الاختلاف والتشرذم .
ومما يميز هذه التعريفات اللغوية والاصطلاحية : أن النصوص الشرعية لا تكاد تخرج عن هذه المعاني , ففي القرآن الكريم يقول الله - تعالى - ناهياً أهل الكتاب عن تحريف عقيدتهم , والغلو في دينهم : ]يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [( ) , ويقول - تعالى - : ] قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [( ) , وشدد النكير على من غالى فحرم الطيبات قال تعالى في القرآن المكي: ] يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُم عِنْدَ كلِّ مسجدٍ وكُلوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنّه لَا يُحبُّ المُسرفين قُلْ مَنْ حرّمَ زِينَةَ اللهِ التِي أَخْرَجَ لِعبادهِ والطّيِّبات من الرِّزْق ِ[ ( ) ,ويخاطب جماعة المؤمنين بقوله: ] يا أيُّها الّذِين آمَنُوا لا تُحرِّموا طيِّباتِ ما أحلّ اللهُ لَكُم وَلَا تَعْتَدُوا إنّ الله لا يُحبُّ المُعْتَدِين وَكُلوا ممَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حلالاً طيِّباً واتّقوا اللهَ الذِي أنْتُم بِهِ مُؤمِنون [( ).
والسنة النبوية لا تكاد تخرج عن هذه المعاني , ففي الحديث عن ابن عباس – رضي الله عنهما - : أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - , فقال : يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء , وأخذتني شهوتي , فحرمت علي اللحم , فأنزل الله :] يا أيُّها الّذِين آمَنُوا لا تُحرِّموا طيِّباتِ ما أحلّ اللهُ لَكُم وَلَا تَعْتَدُوا إنّ الله لا يُحبُّ المُعْتَدِين وَكُلوا ممَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حلالاً طيِّباً [( ).
وعن أنس – رضي الله عنه - أن نفراً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم – سألوا عن عمله في السر ؟ فقال بعضهم : لا أتزوج النساء , وقال بعضهم: لا آكل اللحم , وقال بعضهم: لا أنام على فراش , فحمد الله وأثنى عليه , فقال :" ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ؟ لكني أصلي وأنام , وأصوم وأفطر , وأتزوج النساء , فمن رغب عن سنتي فليس مني".( ) , يقول الإمام الصنعاني ( ) – رحمه الله تعالى- : وهو دليل على أن المشروع هو الاقتصاد في العبادات دون الانهماك والإضرار بالنفس ، وهجر المألوفات كلها ، وأن هذه الملة المحمدية مبنية شريعتها على الاقتصاد والتسهيل والتيسير وعدم التعسير ]يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ [( ) ,قال الإمام الطبري –رحمه الله -:في الحديث الرد على من منع استعمال الحلال من الطيبات مأكلاً وملبساً قال القاضي عياض:هذا مما اختلف فيه السلف فمنهم من ذهب إلى ما قاله الإمام الطبري ،ومنهم من عكس، واستدل بقوله تعالى : ] أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا [ ( ) ,قال : والحق أن الآية في الكفار ، وقد أخذ النبي – صلى الله عليه وسلم - بالأمرين ، والأولى التوسط في الأمور ، وعدم الإفراط في ملازمة الطيبات فإنه يؤدي إلى الترفه والبطر ، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات فإن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحياناً فلا يستطيع الصبر عنه فيقع في المحظور كما أن من منع من تناول ذلك أحياناً قد يفضي به إلى التنطع ، وهو التكلف المؤدي إلى الخروج عن السنة المنهي عنه ، ويرد عليه صريح قوله - تعالى - : ] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ [ ( ) ,كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يؤدي إلى الملل القاطع لأصلها ، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلاً ، وترك النفل يفضي إلى البطالة ، وعدم النشاط إلى العبادة وخيار الأمور أوسطها ، وأراد - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"فمن رغب عن سنتي " عن طريقتي " فليس مني " أي ليس من أهل الحنفية السهلة , بل الذي يتعين عليه أن يفطر ليقوى على الصوم وينام ليقوى على القيام ، وينكح النساء ليعف نظره وفرجه ، وقيل : إن أراد من خالف هديه - صلى الله عليه وسلم - ، وطريقته أن الذي أتى به من العبادة أرجح مما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - ,فمعنى ليس مني أي ليس من أهل ملتي لأن اعتقاد ذلك يؤدي إلى الكفر( ) , ويقول الإمام ابن حجر العسقلاني : المراد بالسنة الطريقة لا التي تقابل الفرض ، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره ، والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني ، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه ، وطريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - الحنيفية السمحة , فيفطر ليتقوى على الصوم , وينام ليتقوى على القيام , ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل ؛ وقوله:" فليس مني" إن كانت الرغبة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه , فمعنى " فليس مني " أي على طريقتي ولا يلزم أن يخرج عن الملة ,وإن كان إعراضاً وتنطعاً يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله فمعنى ,فليس مني ليس على ملتي لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر( ).
وفي الحديث تحذير لهم خوفاً من أن يقعوا فيما وقع فيه أتباع نبي الله عيسى - عليه السلام - , حيث ألان الله قلوبهم وجعل فيها رأفة ورحمة , فكان يواد بعضهم بعضاً , فغيروها وابتدعوا فيها , يقول الإمام القرطبي – رحمه الله - في قوله : ] وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا [ ( ): أي من قبل أنفسهم.. فحملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع، وذلك أن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي نفر قليل فترهبوا وتبتلوا... قال الضحاك: إن ملوكاً بعد عيسى - عليه السلام - ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة، فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى-عليه السلام- فقتلوهم، فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم، فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع..., وقال قتادة – رحمه الله - : الرهبانية التي ابتدعوها رفض النساء واتخاذ الصوامع( ) .
ولذلك كانت دعوات النبي - صلى الله عليه وسلم – متوازنة : "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي " ( ) , وقال : "إنّ لبدنك عليك حقًّا "( ).
يقول ابن مسعود - رضي الله عنه- : والذي لا إله إلا هو، ما رأيت أحداً كان أشد على المتنطعين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وما رأيت أحداً كان أشد عليهم من أبي بكر- رضي الله عنه - ، وإني لأرى عمر- رضي الله عنه - كان أشد خوفاً عليهم، أو لهم( ).
وعن أبي قلابة ( ) قال : قال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه - : عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب بأصحابه ، عليكم بالعلم، فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، أو يفتقر إلى ما عنده، إنكم ستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع، وإياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق ( ) ؛ ويقول مسروق ( ): كنت أمشي مع أبي بن كعب –رضي الله عنه-، فقال فتى: ما تقول يا عماه، كذا، وكذا، فقال: يا ابن أخي، أكان هذا؟ قال: لا، قال: فاعفنا حتى يكون( ).
ويقول الصلت بن راشد( ): سألت طاووساً ( ) عن مسألة، فقال لي: كان هذا؟ قلت: نعم، قال: آلله؟ قلت: آلله، ثم قال: إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل- رضي الله عنه -، أنه قال: أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فيذهب بكم هنا وهنا، فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد، وإذا قال وفق( ).
وعن محارب بن دثار( ) سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنهما - قال : أقبل رجل من الأنصار ومعه ناضحان له وقد جنحت الشمس , ومعاذ يصلي المغرب , فدخل معه الصلاة , فاستفتح معاذ البقرة أو النساء , فلما رأى الرجل ذلك صلى ثم خرج , قال : فبلغه أن معاذاً نال منه , قال حجاج ينال منه , قال : فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - , فقال :" أفتان أنت يا معاذ , أفتان أنت يا معاذ , أو فاتن فاتن فاتن " , وقال حجاج : "أفاتن أفاتن أفاتن , فلولا قرأت سبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها , فصلى وراءك الكبير وذو الحاجة والضعيف " , أحسب محارباً الذي يشك في الضعيف"( ).
لعل هذه النصوص إذا قرناها بالتعريفات اللغوية والاصطلاحية كشفت لنا عن مظاهر المنبت الذي قتل ظهره , فتأخر في وصوله ؛ المتعجل في تبليغه , الذي لم يكتمل فهمه , ولم ينضج فكره , ولم يمتلك مفاتيح العلم بعد ؛ الذي يتعصب لرأيه ورايته, ويربط الحق بهما ؛ يبالغ في استخدام العزائم , ويقدم المتغيرات على الثوابت ؛ يهتم بالنافلة على حساب الفريضة ؛ يكثر الإساءة والظن بالآخرين .
إننا من خلال هذه النصوص التي جاءت في القرآن الكريم والسنة المطهرة , يتبين لنا أن الإسلام ينفر من الغلو والغالين , والتنطع والمتنطعين , والجمود والجامدين , والجحود والجاحدين , ويخوف ويحذر من الوقوع في هذه الآفات أشد تحذير وتخويف , لأن الواقع فيها يخسر دينه ودنياه جميعاً , عن عبدالله - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :"هلك المتنطعون , قالها ثلاثاً "( ).
أسباب الغلو :
1- ( أن يعتقد الإنسان في نفسه , أو يُعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين - ولم يبلغ تلك الدرجة - فيعمل على ذلك ويعد رأيه رأياً وخلافه خلافاً ولكن تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع وتارة يكون في كلى وأصل من أصول الدين - كان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية - فتراه آخذا ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها حتى يصير منها ما ظهر له بادي رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصده وهذا هو المبتدع وعليه نبه الحديث الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم – قال:" لا يقبض الله العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس , ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً , فسئلوا , فأفتوا بغير علم , فضلوا وأضلوا "( ) , قال بعض أهل العلم: تقدير هذا الحديث يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم . فيؤتى الناس من قبله , وقد صرف هذا المعنى تصريفاً , فقيل: ما خان أمين قط ولكنه ائتمن غير أمين فخان .
قال: ونحن نقول :ما ابتدع على قط ولكنه استفتى من ليس بعالم .
قال مالك بن أنس – رضي الله عنه - : بكى ربيعة يوماً بكاء شديداً , فقيل له: مصيبة نزلت بك , فقال:( لا ولكن استفتى من لا علم عنده )( ).
2- ( ضعف البصيرة بحقيقة الدين، وقلة البضاعة في فقهه ، والتعمق في معرفة أسراره، والوصول إلى فهم مقاصده ، واستشفاف روحه. . وليس معنى ذلك : الجهل المطلق بالدين، فهذا في العادة لا يفضي إلى غلو وتطرف، بل إلى نقيضه، وهو الانحلال والتسيب، وإنما المعني به : نصف العلم، الذي يظن صاحبه به أنه دخل في زمرة العالِمين، وهو يجهل الكثير والكثير، فهو يعرف نتفاً من العلم من هنا وهناك وهنالك، غير متماسكة، ولا مترابطة، يُعنى بما يطفو على السطح، ولا يهتم بما يرسب في الأعماق، وهو لا يربط الجزئيات بالكليات، ولا يرد المتشابهات إلى المحكمات، ولا يحاكم الظنيات إلى القطعيات، ولا يعرف من فنون التعارض والترجيح ما يستطيع به أن يجمع به بين المختلفات، أو يرجح بين الأدلة والاعتبارات)( ).
3- ( البيئة : فقد ينشأ الإنسان في بيئة شأنها الغلو، أو التنطع سواء أكانت بيئة قريبة،- البيت - ، أم بيئة بعيدة، - مجتمع الأصحاب، والأصدقاء -، وليست لديه حصانة فكرية، فيحاول الاقتداء، والتأسي، أو على الأقل المحاكاة والتشبه، وحينئذ يقع في آفة التنطع أو الغلو)( ).
4 – ( قد يكون التكوين النفسي والفكري لنفر من الناس من وراء الوقوع في آفة التنطع أو الغلو، كأن يحرم هؤلاء من المربي أو الموجه الذي يرشدهم، ويوجههم إلى بعد النظر، واتساع الأفق، فينشئون على الوقوف عند الشكليات والقشور، مهملين اللباب والجوهر، وذلك هو عين التنطع، أو الغلو)( ).
5 – ( الذكاء مع الفراغ، وعدم البصيرة بالأولويات : وقد يمن الله - عز وجل - على إنسان ما، بقدر من الذكاء الفطري ولكنه يعيش في فراغ، مع عدم البصيرة بالأولويات، ويحاول - شأنه شأن أي إنسان آخر - توظيف هذا الذكاء، وشغل ذلك الفراغ، وحينئذ يكون فريسة آفة التنطع، أو الغلو، إذ أن من سمات النفس البشرية أن صاحبها إن لم يشغلها بالحق، شغلته بالباطل)( ).
6 - الاعتماد على النفس من أول الأمر في تحصيل العلم، أو المعرفة: وقد تكون لدى المسلم الرغبة في تحصيل العلم، أو المعرفة، ولا دراية له بالطريق فيأخذ في الاعتماد على نفسه من أول الأمر في تحصل هذا العلم، أو هذه المعرفة، ويجعل جل اهتمامه الكتب، فتجنح به هذه الكتب نحو التنطع أو الغلو، نظراً لأن الكتاب وجهة، أو وجهات نظر صامتة، لا تمد لك القدرة على رد التساؤلات التي تثيرها قراءة هذا الكتاب أو الاطلاع عليه ، أو التي يثيرها الواقع نفسه)( ).
7 - الأخذ أو التلقي عن الجاهلين( ).
8 - خلو الساحة أو الميدان من العلماء الذين يضبطون الفكر والتصور بل والسلوك( ).
9 - تعطيل شرع الله في الأرض، وما نتج عنه من انتشار أو ذيوع الشر والفساد وراء الوقوع في آفة التنطع أو الغلو، كرد فعل مضاد لذلك( ).
10 - الحظوظ النفسية من حب الذيوع والشهرة، أو الثناء والمحمدة ، أو المغنم والجاه، من وراء الوقوع في آفة التنطع أو الغلو . ، من منطلق أن التنطع أو الغلو يحمل في طياته غالبا كل شاذ وغريب، والشواذ والغرائب من بين ما يكسب الذيوع والشهرة، أو الثناء والمحمدة، بل ربما توصل، إلى المغنم والجاه، تطبيقا لمبدأ: "خالف تعرف، وتغنم"( ).
11 - الرغبة في تحقيق مزيد من القرب من الله مع الغفلة عن أبعاد ومعالم الطريق( ).
12- الشدة، أو الإكراه، والضغط - سواء من البيت، أو المجتمع، أو الدولة - من بين العوامل، أو البواعث التي تدفع إلى الوقوع في آفة التنطع أو الغلو( ).
13- نسيان العواقب المترتبة على الوقوع في آفة التنطع أو الغلو في الدين من بين الأسباب التي توقع في هذا التنطع أو الغلو، إذ الإنسان إذا نسي عاقبة الشيء تجرأ على فعله، وتعاطيه، وإن كان فيه حتفه وهلاكه، قال تعالى: ] وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [( ).
14- الاشتغال بالمعارك الجانبية عن القضايا الكبرى( ).
15- التباس المفاهيم: وقد أدى هذا الغبش في فهم الإسلام، وعدم وضوح الرؤية لأصول شريعته، ومقاصد رسالته، إلى التباس كثير من المفاهيم الإسلامية، واضطرابها في أذهان الشباب أو فهمها على غير وجهها( ).
16- اتباع المتشابهات من النصوص، وترك المحكمات البينات، وهذا لا يصدر من راسخ في العلم، إنما هو شأن الذين في قلوبهم زيغ ]فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [( ).
17- ضعف المعرفة بالتاريخ والواقع وسنن الكون والحياة( ).
أنواع الغلو:
للغلو أنواع كثيرة منها : 1- الغلو في الأشخاص ؛ بأن يرفعوا فوق منازلهم ويجعل لهم شيء من حق الله في العبادة والتقديس , كما غلت النصارى في المسيح فقالوا: هو الله أو ابن الله , أو ثالث ثلاثة فعبدوه مع الله , ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم , إنما أنا عبد , فقولوا عبد الله ورسوله"( ).
2-الغلو في عبادة الله عز وجل , ومن ذلك حديث أنس – رضي الله عنه - أن نفراً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم – سألوا عن عمله في السر ؟ فقال بعضهم : لا أتزوج النساء , وقال بعضهم: لا آكل اللحم , وقال بعضهم: لا أنام على فراش , فحمد الله وأثنى عليه , فقال :" ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ؟ لكني أصلي وأنام , وأصوم وأفطر , وأتزوج النساء , فمن رغب عن سنتي فليس مني"( ) .
3-الغلو في الحكم على أصحاب الذنوب والكبائر بالكفر والخروج من الملة , ومن ذلك ماروي عن جندب بن عبد الله – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – "حدث أن رجلاً قال :والله لا يغفر الله لفلان , وإن الله تعالى قال :من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان وأحبطت علملك, أو كما قال"( ).
4-الغلو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , كما حصل من الخوارج والمعتزلة حين غلو في الإنكار حتى شقوا عصا الطاعة , وفرقوا جمع المسلمين.
5-الغلو في التقليد الفقهي: وذلك بالتعصب لآراء الأئمة حتى تجعل كأنها وحي منزل لا يجوز العدول عنها إلى الرأي الصحيح الراجح بالدليل.
6-الغو في الولاء والبراء , فيظن أهل الغلو أن البراءة من الكفار تعني تحريم التعامل معهم فيما أباح الله مما فيه منفعة , وأنها تعني الاعتداء على المعاهدين .
آثار الغلو:
الغلو داء خطير , وشر مستطير , وله آثار كثيرة منها :
1-أنه يجر إلى الشرك بالله , وذلك كالغلو في الأشخاص فإنه يفضي إلى عبادتهم من دون الله , كما حصل لقوم نوح لما غلو في الصالحين.
2-أنه يحمل على تكفير المسلمين وسفك دمائهم, كما حدث من الخوارج , حين قتلوا خيار الأمة.
3-أنه يحمل على الخروج على جماعة المسلمين , وشق صفهم , وتفريق كلمتهم .
4- أنه يزهد في الوسطية والاعتدال , بل تعتبر المغالي الوسطية تساهلاً وتفريطاً.
5- أنه يحمل على القنوط من رحمة الله تعالى , كما حصل من الذي تألى على الله.
6-أنه يسبب الانقطاع عن العمل الصالح .
7-كراهية الناس للمغالي , ونفورهم منه.
8-تضييع العمر وتبديد الجهد في غير ما طائل ولا فائدة.
9- التقصير في حق نفسه والدوائر المحيطة به .
هذه بعض مظاهر وأسباب الغلو في الدين , والتنطع في فهم نصوصه , وأنواعه , وآثاره السيئة على العمل الإسلامي
الاعتدال في فهم السنة(1).
عاطف أبو زيتحار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من المعلوم أن مصطلح العدل يقابله الظلم , والتعديل يقابله التجريح ( ), والاعتدال يقابله الجمود والغلو والتطرف.., ولذلك كثُرت التعريفات الاصطلاحية للاعتدال ومشتقاته في السياسة والاقتصاد , في الأخلاق والسلوكيات , في المادة والثروة , في الكسب والغنى , في الجهاد والدعوة , في العقيدة والعبادة :
1 - فعرفه العلامة علي بن محمد السيد شريف الجرجاني ( ) بقوله:الاعتدال في الشرع : عبارة عن الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب عما هو محظور دينه. والعدل : عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط ( ).
2- وعرفه الشيخ المراغي ( ) بقوله : الاعتدال : الوسط بين الإفراط والتفريط ( ).
3- وعرفه الإمام الغزالي ( ) : الاعتدال هو الميزان الصحيح لجميع أنواع السلوك ، والخروج عن حد الاعتدال إلى الإفراط أو التفريط ، هو مصدر الأمراض النفسية ، والعلاج هو العودة إلى الاعتدال الواجب( ).
3- وعرف أبو البقاء العكبري ( ) الاعتدال بقوله : هو توسط حال بين حالين في كم وكيف. ( ).
4 – وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية : والاعتدال في الصلاة : هو القيام مع الطمأنينة بعد الرفع من الركوع ، وهو ركن في الفرض والنافلة ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته:" ثم ارفع حتى تعتدل قائماً "( )، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - داوم عليه ؛ لقول أبي حميد في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - : "فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه" ( ) ولقوله - صلى الله عليه وسلم - :" صلوا كما رأيتموني أصلي"( ) , ويدخل في ركن الاعتدال الرفع منه لاستلزامه له ، وفرق المالكية وبعض الحنابلة بينهما فعدوا كلاً منهما ركناً ؛ قال المالكية : وتبطل الصلاة بتعمد ترك الرفع من الركوع ، وأما إن تركه سهواً فيرجع محدودباً حتى يصل لحالة الركوع ثم يرفع ، ويسجد بعد السلام إلا المأموم فلا يسجد لحمل الإمام لسهوه ، فإن لم يرجع محدودباً ورجع قائماً لم تبطل صلاته مراعاة لقول ابن حبيب : إن تارك الرفع من الركوع سهواً يرجع قائماً لا محدودباً كتارك الركوع ؛ ثم إن أكثر المالكية على نفي ركنية الاعتدال ، وأنه سنة . قالوا : فيسجد لتركه سهواً ، وتبطل الصلاة بتركه عمداً قطعاً ؛ لأنه سنة شهرت فرضيتها ( ).
5-وعرف الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري – رحمه الله - الاعتدال السياسي بقوله: أن يأخذ المرء موقفاً ينزع نحو المهادنة وتقديم التنازلات في سبيل تحقيق قدر من العدل والسلام. والتطرف، على خلاف الاعتدال، هو: تجاوز حد الاعتدال ؛وهو على زنة تفعُّل , من تطرف ؛ والطرف هو: حافة الشيء ؛ والتطرف، في المصطلح السياسي، هو: أن يتمسك المرء بموقفه وبالحد الأقصى لا يحيد عنه ولا يقبل تقديم أية تنازلات , ولا يتهاون بغض النظر عن الأوضاع والملابسات المحيطة بالموقف. ومصطلحاً الاعتدال والتطرف شائعان في الخطاب السياسي، فيوصف إنسان بأنه متطرف , وآخر بأنه معتدل حسب ما يتخذانه من مواقف ؛ ولكن ما يغيب عن الكثيرين أن التطرف والاعتدال يُقاسان بالنسبة إلى مرجعية ما كامنة ، فما هو متطرف من وجهة نظر ما قد يكون اعتدالاً من وجهة نظر أخرى ، وكل شيء يعتمد على المرجعية ؛ وما يفوت من يستخدمون مثل هذه المصطلحات أن أسباب الصراع (في المجال السياسي والاقتصادي) ليس لها علاقة كبيرة بما يُسمَّى العُقد النفسية والتاريخية ، وإنما هي في العادة أسباب بنيوية ، لصيقة بالعلاقات التي توجد في الواقع ؛ وطالما ظلت البنية الشاذة ظل الصراع ، أي أن القضية ليس لها علاقة كبيرة ، في كثير من الأحوال ، مع الحالة النفسية أو مع مدى استعداد أحد أطراف الصراع لإظهار الاعتدال والتسامح , ولذا فنحن نذهب إلى أن مصطلحي الاعتدال والتطرف , ليس لهما مقدرة تفسيرية عالية في مجال السياسة والاقتصاد( ).
وهكذا كثرت التعريفات الاصطلاحية لكلمة الاعتدال , والمقصود به هنا , الاعتدال في فهم السنة النبوية المطهرة , فلا إفراط ولا تفريط , ولا جمود ولا تطرف ولا غلو , بل توسط واعتدال .
فضل الاعتدال:
إن الاعتدال من أخلاق الأنبياء ؛ عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما- أن نبي الله – صلى الله عليه وسلم –قال:"إن الهدي الصالح , والسمت الصالح ,والاقتصاد ,جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة"( ),قوله :" والاقتصاد " أي : سلوك القصد في الأمور القولية والفعلية ,والدخول فيها برفق على سبيل يمكن الدوام عليه( ) , والاعتدال أيضاً يخفف الحساب يوم القيامة , عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول :" قال الله عز وجل: ] ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [ فأما الذين سبقوا بالخيرات فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ,وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حساباً يسيراً ,وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته فهم الذين يقولون]: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [إلى قوله:] لُغُوبٌ [ ( ), ومن فضائل الاعتدال أنه يعين المسلم على الانتفاع بوقته ( فالمسلم المعتدل يحافظ على وقته وذلك بتنظيمه وتقسيمه تقسيماً مناسباً , بحيث لا يطغى جانب من جوانب حياته من عمل أو عبادة أو نوم أو لهو محمود على جوانب أخرى..) ( ).
هذا عن فضل الاعتدال أما عن أنواعه: فأنواع الاعتدال تشمل كل أمر يقوم به المسلم , سواء كان من العبادات أو العادات, يقول الإمام ابن القيم في الفوائد : وضابط هذا كله العدل, وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط, وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة, بل لا تقوم مصلحة البدن إلا به؛ فإنه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك؛ وكذلك الأفعال الطبيعية كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك, إذا كانت وسطاً بين الطرفين المذمومين كانت عدلاً وإن انحرفت الى أحدهما كانت نقصاً وأثمرت نقصاً.
فمن أشرف العلوم وأنفعها علم الحدود, ولا سيما حدود الشرع المأمور والمنهي؛ فأعلم الناس أعلمهم بتلك الحدود, حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج منها ما هو داخل فيها؛ قال تعالى: ] الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ [( ), فأعدل الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات معرفة وفعلاً, وبالله التوفيق( ).
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)



