دكتور/ عاطف زيتحار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. وبعد.
فإن هزيمة المنتخب المصري من الأرجنتين في مونديال 2026م تذكرنا بالإطار العام لهزيمة أحد من المشركين في السنة الثالثة من الهجرة النبوية –مع الفارق الكبير بين المشهدين-, ذلك المشهد الرهيب الغائر في الماضي البعيد, الذي يكتنف بغيومه الكثيفة أفق واقع منتخبنا أمام الأرجنتين, أو تمتد ذكراه الأليمة حتى ترتبط بواقع أمتنا العربية والإسلامية؛ لندرك جميعاً أن علتنا ليست فيما نقترفه من معاصي مردها الجهل والتقصير ووساوس
الشيطان, فقد فتح الله لعباده أبواب التوبة والمغفرة والعودة والإنابة إليه, بيد أن ما يقدح في إيماننا وينذر بفنائنا ذلك الذهول المروع عن تعاليم السماء والاغترار بما خالفه من أعراض دنيوية وأيديولوجيات وضعية دونما تبصُّر لما في حوزتنا من حق عوامل النجاح والمجد والرفعة, ذلك أن الالتزام بتعاليم الوحي هو دليل الأمة في نجاحها في مسيرتها الحياتية, فكلما تمثلته والتزمته كان ذلك ادعى إلى اتضاح رؤيتها, فتتقي بنور هذه التعاليم خطر الزلل والترنح والضلال؛ ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾([1]), ومن ثم فالعض عليه والزود عنه والتفاني في سبيل إحيائه أمر لا مفاصلة عليه إعذاراً إلى الله مهما تكلف المسلمون في سبيل ذلك.لقد دارت رحى معركة أحد وكانت الكرة في أول الأمر على المشركين حتى إنهم قد ولوا مدبرين لا يلوون على شيء وذهب المسلمون يتبعونهم قتلاً وإجهازاً على الجرحى، إلا أن الرماة الذين حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم من ترك مواقعهم قد تركوها طمعاً في المغنم بعد ظنهم أن المشركين قد انهزموا, فانكشف ظهر المسلمين, فالتف خيل للمشركين ودارت الدائرة على المسلمين فكان البلاء والتمحيص، فقتل عدد من الصحابة رضوان الله عليهم وأصيب النبي صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وشج في وجهه وجرحت شفته صلى الله عليه وسلم، حتى أشيع مقتله صلى الله عليه وسلم فخارت قوى بعض الصحابة وقويت عزيمة آخرين, وانتهت الغزوة بهزيمة جيش المسلمين..
ومن هنا نقول: أن الغزوة مرت بمرحلتين اثنين, الأولى: مرحلة النصر والتقدم, عندما التزموا تعاليم نبيهم عليه الصلاة والسلام, ووقفوا أسوداً فوق الجبل وتحته يزودون عن دينهم ووطنهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم, ويقاتلون في سبيل ربهم حتى اطمأنوا إلى النصر وهزيمة الأعداء, والمرحلة الثانية: مرحلة الهزيمة التي جاءت بعد الركون إلى النصر والانشغال بجمع الغنائم, ونسيان وصية النبي صلى الله عليه وسلم, والغفلة عن تربص الأعداء بهم, فانهزموا ونال الأعداء منهم وعلوا أكتافهم, يقول رافع بن خديج رضي الله عنه عن يوم أحد: فَكُنّا أُتِينَا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِنَا وَمَعْصِيَةِ نَبِيّنَا، وَاخْتَلَطَ الْمُسْلِمُونَ وَصَارُوا يُقْتَلُونَ وَيَضْرِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، مَا يَشْعُرُونَ بِهِ مِنْ الْعَجَلَةِ وَالدّهَشِ([2]).
وبمثل تلك الصورة وذلك المشهد أو قريباً منه مع اختلاف الساحتين والوجهتين حدث مع المنتخب المصري أمام الأرجنتين في مباراته في مونديال 2026م, حيث مرت المواجهة بمرحلتين: مرحلة الانتصار, حيث انتصروا في بداية الأمر عندما لعبوا بإصرار وبروح الفريق الواحد منفذين التعاليم يقظين منتبهين لخصومهم, ثم مرحلة الهزيمة التي حدثت وحلت في اللحظات الأخيرة من المباراة, حيث تربص بهم خصمهم ومعه حكم المباراة مع ما انتاب بعضهم من غفلة عن المهمة الموكلة إليه, وتطلع البعض الآخر إلى أن يمني مرمى الخصم كما فعل غيره, وظن بعضهم أن الوقت أوشك على الانتهاء وأنه قد فاز, فتلقى مرماه ومني بثلاثة أهداف في اللحظات الأخيرة, وخرج مهزوماً بعد أن كان منتصراً.
إن هزيمة أحد أتت بعد أن تذوقت نفوس الصحابة عليهم الرضوان طعم الانتصار, ولذلك تركت جرحاً عميقاً في نفوس الصحابة سيظل يدرس وتُلتقن منه الدروس ما بقي الزمان, ومن هذا النوع من الانتصار كانت خسارة المنتخب المصري أمام الأرجنتين في مونديال 2026؛ فالفريق ومعه المصريون في كل مكان لم يشعروا فقط بأن فريقهم خسر مباراة، بل شعروا بأن حلمًا كان بين أيديهم ثم تسرب فجأة وأصبح سراباً في اللحظات الأخيرة.
وإذا قارنا بين أداء الرماة فوق الجبل وأداء خالد بن الوليد في حيله ودهائه؛ فإن خالد بلغة النصر والهزيمة استطاع أن يحتال حتى صعد الجبل, وانتهز فرصة فرح الصحابة وغمرة نفوسهم بالنصر وانتشائهم بهزيمة عدوهم, ونزول بعضهم من فوق الجبل وانشغالهم بجمع الغنائم, فباغتهم خالد بن الوليد وقتل قائدهم, وأعمل القتل في صفوف المسلمين حتى اختلطت صفوفهم وقتل بعضهم بعضاً.
وبمقارنة هزيمة أحد بهزيمة المنتخب نلحظ أن اللحظات الأخيرة هي الحاسمة, وأن الخصوم في الميدانين مع الفارق في الهدف والمقصد تحركوا بديناميكية عالية, وبذلوا جهداً خارقاً ليُحولوا الهزيمة إلى نصر, بينما بدا لدى البعض عدم الاهتمام لشراسة الخصم التي كانت بادية على وجهه, وانتقلت إليه روح الطمأنينة المبكرة بالنصر, فعاش في غمرة النصر قبل انتهاء النزال, فحلت به الهزيمة بعد النصر وخسر الجولة.
إن الانهيارات الكبرى التي تحدث للأشخاص أو الهيئات أو الجماعات غالبًا ما تكون نتيجة تفاعل عدة عوامل نفسية وبدنية وفنية في وقت واحد, لكن العامل الأكثر إثارة للاهتمام هو ما يسمى: الانتقال المبكر إلى عقلية النصر, فحين يقترب الإنسان من تحقيق هدف كبير يبدأ عقله لا شعوريًا في التعامل مع الإنجاز باعتباره قد تحقق بالفعل, وهنا تتغير طريقة التفكير والانفعال والتركيز دون أن يشعر بذلك؛ في هذه المرحلة لا يعود الإنسان يقاتل من أجل الفوز ومواصلة الانتصار والحفاظ عليه، بل يبدأ في الدفاع عن الفوز, والفرق بين الحالتين كبير جدًا, فالعقل المهاجم يبحث عن الفرص، أما العقل المدافع عن مكسبه فيصبح أكثر حذرًا وأكثر خوفًا من الخطأ, وعندما يزداد الخوف تتراجع الجرأة، وعندما تتراجع الجرأة يزداد الضغط النفسي، وعندها تبدأ الأخطاء الصغيرة التي تفتح الباب أمام الانهيار.
وإذا كان الجيش بأكمله أو الفريق كله قد تعرض لهذا الضغط، فإن العبء الأكبر يقع عادة على القائد المحرك للفريق أو القائد الرابض فوق الجبل, وهو ما لوحظ في موقف عبد الله بن جبير رضي الله عنه وهو يصرخ في رفاقه من الجنود الذين كلفوا بمهمة المراقبة من أعلى الجبل, وهو يقول عندما رآهم ينزلون من فوق الجبل ظناً منهم أن المعركة قد انتهت: أنسيتم وصية نبيكم؟ وهي الوصية التي أمرهم أن لا يبرحوا الجبل حتى يأذن لهم وإن رأووا النصر بأم أعينهم.
إن التحدي الأكبر الذي نواجهه جميعاً في كل مناحي حياتنا هو إدارة مرحلة ما بعد النجاح الأولي, والحفاظ عليه والاستمرار فيه, لأن الغفلة عن إدارة هذه المرحلة بنفسية عالية وعقلية راجحة قد يولد شعورًا بأن المهمة اكتملت، بينما كانت المراحل الأصعب لا تزال تنتظر, إنها ظاهرة نفسية معروفة تسمى: وهم اكتمال المهمة، حيث يخلط العقل بين الاقتراب من الهدف وتحقيقه فعليًا.
وإذا وقع الإنسان في هذا الوهم وحدث ما لا يحمد عقباه من هزيمة بعد نصر أو خسارة بعد ربح أو فقر بعد غنى أو شقاوة بعد سعادة فإنه يصدم وقد يلجأ إلى تبرير غير صادق, فيحجب عن نفسه الدرس الأهم ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾([3]), وهو ما ذكر به القرآن الصحابة بعد أحد لغفلتهم عن وصايا نبيهم عليه السلام؛ فهل تستيقظ الأمة وتلتقن الدرس من أحد أمس ومباراة اليوم, وتفطن لدسائس أعدائها وحيلهم ومكرهم في اختطاف انتصاراتنا؟ وهل تستطيع الأمة أن تفطن وتحافظ على انتصاراتها, وتتماسك ولا تنهار؟
لقد خسر الصحابة في أحد نصراً ولكنهم التقنوا دروساً ولقنوها للمسلمين على مر العصور, وبإمكاننا اليوم أن نفطن لها في كل جوانب حياتنا, وأن نذكر بها وننبه عليها:
-أن لا تحتفلوا بالنصر قبل أن يكتمل أركانه وتنهوا جولاتكم مع خصومكم, ولا تتوقفوا عن القتال لأنكم أصبحتم قريبين من الهدف, ففي كثير من الأحيان تكون أخطر لحظات المواجهة هي تلك التي تظن فيها أن كفتك رجحت والجولة انتهت.
-لا تنسى أن خصمك ينتظر غفلتك وضعف قوتك ويتحين أخطاءك حتى يجهز عليك بكل قوته.
-ليس من العيب أن تقع ولكن العيب كل العيب أن تظل راقداً بعد أن صرعك خصمك, فسرعة اليقظة بعد السقوط جزء من المقاومة واستعادة النصر.
- غالباً ما تضل ذكرى الهزيمة طريقها في غمرات الفرح بنصر ما, والأمم الراشدة تلك التي تستخلص مقومات نصرها وتقدمها من هزائمها وملماتها, فآلام ماضيها مصدر إلهام لفقه واقعها واستشراف مستقبلها, فتستخلص صحتها من آلام مرضها, وغناها من فقرها, وسعادتها من شقاوتها, وربحها من خسارتها, كما تستخلص نصرها وعزها من تقهقرها وهزيمتها, كما حدث في أحد التي لم تتكرر في تاريخ المسلمين في العصر الأول لالتقانهم منها الدرس, واستلهامهم النصر.
- إن الانتقال المبكر إلى عملية النصر أو ما يسمى وهم اكتمال المهمة يجب لفت الانتباه إليها وتربية الأفراد والأسر والمجتمعات والمؤسسات على خطورة الركون إليها عند ظهور بعض النجاحات, فتُعقد الندوات ويُُفهم الطلاب, ويُلقن القادة والعُباد: أن المواصلة هي سر النجاح وأن اكتمال المهمة يكون بالوصول إلى نهاية الشوط, وأن شعار: كدا رضا, هو شعار الكسالى والبطالين وفقراء فهم واقع الحياة والخصوم فيها, فالطالب الذي يبحث عن المعالي لا يترك مادة على أنها سهلة, ولا يغفل عن حضور محاضراته, ويذاكر كل مواده وينصت إلى كل أساتذته ويواصل السير إلى آخر يوم من امتحاناته, وهكذا الاقتصادي والسياسي والرياضي, بل العابد الذي يتعبد لا يغفل عن شيء يوصله إلى الرقي الإيماني وحصد الدرجات, فيجتهد طاقته في التعبد والاخلاص والتجرد, فلا تشغله عن وجهته صحة ولا مرض, ولا فقر ولا غنى, ولا ربح ولا خسارة, فهو في الكون مع المكون بكليته لا يبقي لنفسه من نفسه شيئاً, يعيش بين الخوف والرجاء بين عينيه قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾([4]).
دكتور/ عاطف زيتحار.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق