دكتور/ عاطف زيتحار
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين ... وبعد
فإن الحديث عن الرحلة والرحالة طويلٌ ومُتشعِّبٌ جدًا، وبالرغم من تشعبه وصعوبته إلا أن دراسته أصبحت واجبة على أهل التخصص, وذلك لبيان فوائد الرحلة ومعرفة مستلزماتها ومراميها والوقوف على ما بذله الرحالة من تضحيات في سبيل نقل الأخبار وتصويرها وصياغتها بطريقة مشوقة.
وبالبحث ودراسة كتب الرحالة وسيرهم نستبين سبيلهم, ونقف على فوائد رحلاتهم سواء كانت دينية, أو تاريخية, أو جغرافية, أو اقتصادية, أو سياسية, أو اجتماعية, أو غير ذلك....
هذا وقد انتقيت ستة رحالة مغاربة, اخترتهم على النحو التالي:
الرحالة العبدري, وابن جبير, وابن بطوطة, والشريف الإدريسي, والبكري, وليون الأفريقي – الحسن بن محمد الوزان - , ولعلني اخترت هؤلاء الرحالة:
1- لأسهم ولو بجزء ضئيل في استنباط بعض العبر من حياة هؤلاء الرحالة الذين خدموا دينهم وأوطانهم وأمتهم .
2- تنفيذا لرغبة أساتذتنا في ذلك .
3- لمكانة هؤلاء الأئمة الرحالة ولحسن سيرتهم المتميزة والمتفردة بين أقرانهم .
أما عن هدف كتابة البحث:
1- المشاركة في إحياء ما اندثر من كتب الرحالة, والتذكير بمآثرهم وما خلدوه من تراث.
2- كشف حاجتنا إلى قراءة مآثرهم وحياتهم .
3- توجيه البعض إلى ما في كتبهم ورحلاتهم من معان قيمة واستنباطات واعية.
أما عن المنهج المتبع في هذا البحث فهو المنهج التحليلي .
خطة البحث :
وقد قسمت هذا البحث إلى مقدمة ومبحثين, بيانهما كالتالي:
المبحث الأول: رحالة مغاربة شرقوا في البلاد وغربوا حياتهم ومآثرهم.
المبحث الثاني: درر ونفحات من حياة بعض الجغرافيين المغاربة .
المبحث الأول : رحالة مغاربة شرقوا في البلاد وغربوا حياتهم ومآثرهم.
1- الرحالة الــعبـــــدري:
اسمه ومولده ونشأته :
محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن مسعود العبدري ([1]) الحيحي ([2]) ويرجع نسبه إلى بني عبد الدار ([3])، رحالة من بلاد المغرب لم يعرف إلا القليل عن نشأته، حيث لم نجد ترجمة لحياته إلا في جذوة الاقتباس وهي مختصرة لا جديد فيها يزيد عما هو موجود في متن رحلته. والفترة الوحيدة المعروفة يقينا من حياته هي المسجلة في رحلته، والتي تكشف عن شخصيته وتبين أنه عالم ملم بجميع العلوم ذو اطلاع واسع، إلا أنه ليست لدينا معلومات مفصلة عن بداية حياته العلمية. والراجح أن يكون من عائلة علم فقد نعت والده بالشيخ الصالح الخطيب في بداية نسخة الرحلة المخطوطة في الرباط، إلى جانب اهتمامات شقيقه يحيى العلمية.
وفيما يبدو أنه تلقى تعليمه بمراكش لأنه ارتبط فيها بصلة قوية مع عدد من علمائها ومنهم ابن عبد الملك المراكشي ([4]).
صفاته:
حفلت رحلة العبدري بتدوين مشاهداته والتي أظهرت دقته في تسجيل ملاحظاته. إضافة إلى وجود الكثير من المباحث الفقهية والنحوية واللغوية والأدبية والأبيات الشعرية التي امتلأت بها رحلته. فمن خلال المباحث يظهر لنا العبدري العالم المثقف المتمكن في علمه، إذ عكف على مناقشة القضايا التي أوردها معتمدا على ما سبق كتابته في نفس الموضوع مع ترجيح بعضها على بعض هذا من الناحية العلمية([5]).
صفاته الخلقية:
فيها الحدة والغضب والسخط وعدم الرضا. كان صادقا في أحكامه على أهل المدن ضئيلى الثقافة فهو ما إن يحس بذلك حتى يسارع إلى رميهم بأقدح الذم والهجاء معتقدا صواب ما يفعل.
وقد نقده ابن عبد السلام الناصري ([6]) في هذا الجانب رغم عدم إنكاره لعلمه وفضله([7]) وهو ما لم يعهد في رحالة قبله أو بعده.
وتأتي قيمة رحلته في كونها وثيقة سجل فيها حالة العالم الإسلامي العلمية والدينية.
سبب الرحلة:
فقد كانت لأداء فريضة الحج والعلم والتجارة. ونلمس ذلك بوضوح في إشارته إلى أنه كان يحمل القمح لبيعه في مكة المكرمة دلالة على اشتغاله بالتجارة والتي لم يشر أحد إليها, وكان خروجه للرحلة في الخامس والعشرين من ذي القعدة عام 688 ه/ 1289 م من مدينة حاحة، ولكنه لم يبدأ بتدوين رحلته إلا بتلمسان ([8]) وأسماها بالرحلة المغربية والتي ربما أخذت اسمها من الطريق البري الذي سلكه في شمال أفريقيا مع الأخذ في الحسبان أنه من ساكني بلاد المغرب.
والواقع أن العبدري مجهول الميلاد وسنة الوفاة، واحتمال أن
تكون وفاته قريبة عقب عودته من المشرق لأنه كما قيل لو عمر طويلا لظهرت له مشاركات
في العلوم التي يتقنها ولعثرنا له على مؤلفات قيمة. وكانت رحلة العبدري إلى المشرق
في مقتبل حياته ([9]).
مؤلفاته:
لا يوجد له مؤلفات غير رحلته التي دونها وسماها الرحلة المغربية.
مميزات رحلة العبدري:
أوضح العبدري المنهج الذي سيتبعه في تقييده لرحلته وذلك من قوله: إنه سيقيد ما أمكنه تقييده بطريقة تجعل الناظر إليه يسمو مطرقا. كما أنه سيذكر وصفا للبلدان التي زارها وأحوال ساكنيها بقدر ما يدركه ويعاينه بالمشاهدة من غير إخفاء القبيح أو تحسينه ولا تقبيح الحسن أو إخفائه. مظهرا ذلك كله بصورة واضحة بحيث يكون السامع كالناظر. وأضاف قائلا: إنه سيورد ما استفاده من أخبار وقصائد ونكات وغيرها من الأمور التي تتمم هدف الرحلة بحيث يكون مؤلفه هذا مغنيا عن غيره. وأكد على أنه سيؤيد أقواله بالأحاديث التي رواها والآثار التي شاهدها متبركا بإثباتها وإثبات الفضلاء من رواتها ([10]).
وقد سار في تقييده على ما رسمه لنفسه، فمن ذلك نقده اللاذع وذمه المقدح لأهل المدن التي مر بها بسبب قلة اهتماماتهم العلمية فجعل جل اهتمامه منصبا على هذه الناحية.
فأخذ يتقصى ويمعن البحث عن العلماء في كل مدينة يصلها وقد عزا انصراف الناس عن العلم وندرة حامليه إلى" الملك الذي قوض دعائمه وصدعت قوائمه، وقال: إن من ادعاه فاته معناه، ما لهم منه إلا أسماؤه وكناه، لا يأمن بهم طريق ولا يستفيد بهم غريق، ولا يذكر منهم أصيل في المجد عريق، ولا تندى أكفهم بنائل، ولا تصون عن الابتذال وجه فاضل، ولا ينصف بهم مظلوم، ولا يقرع بأسيافهم ظلوم" ([11]).
وبهذا يصور حال البلاد الإسلامية السياسية التي مر بها أصدق تصوير.
كما أصاب في التحقيقات الجغرافية الدقيقة، إضافة إلى وصفه المتقن للمدن فهو في هذه الناحية يضاهي أغلب الجغرافيين الذين اعتمدوا في مؤلفاتهم على النقل في حين أنه اعتمد على مشاهداته، فوصفه للمناظر والمراحل التي مر عليها كان وصفا جميلا محكما عاكفا على تصحيح أخطاء شائعة وردت في مؤلفات سابقة، بشيء من التوسع، مع بيان الصحيح منها وإبداء رأيه بالاعتماد على المنطق المرتكز على الحجج العقلية والبراهين التاريخية. ويظهر لنا العبدري الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في محاربته للبدع المخالفة للقرآن الكريم والسنة المطهرة دلالة على فهمه الصحيح للدين.
أما أسلوبه المتبع في رحلته فهو الصدق والدقة والمناقشة المعتمدة على الحجة والمنطق والهجاء اللاذع.
وحفلت الرحلة بالكثير من الأبيات الشعرية سواء لأدباء وعلماء لقيهم أو ما كان يخصه. فالعبدري اهتم بعلم التاريخ وخاصة تراجم العلماء وكان صائبا في الحكم على بعض علماء عصره إصابة أثبت التاريخ صحتها في مدحه لهم وإعلاء شأنهم: مثل ابن خميس شاعر تلمسان، والدباغ القيرواني صاحب كتاب معالم الإيمان وروضات الرضوان في مناقب المشهورين من صلحاء القيروان، وابن دقيق العيد ([12]).
ومن جملة مميزات الرحلة أيضا اهتمامه بالتدقيق في الآثار القديمة والتصوير الدقيق للحالة الاجتماعية والدينية التي كانت عليها البلاد الإسلامية في ذلك الوقت" فهو يدرك بالنظرة الواحدة ما لا يدركه غيره بالتأمل الطويل" ([13]).
إضافة إلى اعتنائه بالجانب الاقتصادي في المدن التي زارها. فقد كتب رحلته بلغة سليمة تنم عن إحاطته بمفرداتها ودقائق أمورها.
ومن خلال مناقشاته للمواضيع التي تناولها ظهر لنا العبدري العالم المتبحر المشارك في مختلف فنون العلم ([14]). ومما يؤخذ عليه كثرة ذمه للناس وأخلاقهم. أما فيما عدا ذلك فالعبدري كان دقيق الحكم فيما يختص بالأوضاع الدينية والعلمية إلا ما ندر، وهذا عائد الى قصر الفترة التي مكثها في المناطق التي أصدر عليها حكمه.([15])
2- ابن جبير
اسمه ومولده ونشأته :
هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني، الأندلسي، الشاطبي، البلنسي. رحّالة، كاتب وشاعر عربي أندلسي. ولد في بلنسة شرقي أسبانيا سنة 539 هـ. أسرته من بني كنانة وهي من القبائل العربية العريقة والكبيرة.
جده الكبير أبو عبد السلام بن جبير، ذهب إلى أسبانيا وبقي مقيماً فيها. وإن أسرته على ما يبدو كانت تعيش في بلنسة. أقام بمعية والده مدة في شاطبة فأخذ العلوم الدينية والأدبية عليه وعلى أبي عبد الله الأصيل وابن الحسن بن أبي العيش ولم يغفل خلال ذلك عن تربية قريحته الشعرية. ثم هاجر بعدها إلى غرناطة وفي ظل مواهبه دخل كأبيه في عداد كتّاب أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن حاكم غرناطة الذي كان من الموحدين.
ثم تنقل في مستهل حياته بين عدد من المدن الأندلسية والإفريقية، فأقام في بلنسية وشاطبة وغرناطة وسبتة وفاس، وتقلّد مناصب كتابية عدّة. وهو يعد أحد كتاب الدولة الموحدية من حكام الأندلس والمغرب، وقد تبوأ لديهم مكانة عالية، تقديرا لعلمه الواسع وموهبته الشعرية وقدرته الجيدة على كتابة النثر([16]).
وتجمع الروايات أنه كان أديبا معروفا وشاعرا مجيدا وعالما فاضلا مشغوفا بالأسفار، نزيه النفس، كريم الأخلاق، أنيق الخط، ذا أسلوب في الكتابة يمتاز بالسهولة ورقة العبارة. وتبدو هذه السمات الفنية واضحة في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب. إن همه الأول أن ينقل إلى قارئه ما يراه وما يسمعه، في صور طلية واضحة. وهذا يؤكد أنه أديب متمرس في صنعته، متعمق في لغته وبيانه. ويمكن أن نضيف إلى ذلك اهتمامه بالسجع والمحسنات البديعية واللفظية أحيانا، أسوة بأسلوب أبناء عصره في مشرق الوطن ومغربه، لكننا نلاحظ أن موهبته الأدبية الأصيلة سرعان ما تبعده عن تلك الزخارف الشكلية، فيعود إلى عبارته العفوية السلسة التي تستقر في قلوب قرائه حالما تدخل أسماعهم. وقد أهّلته مزاياه الأدبية والخلقية إلى تقلد أرفع المناصب في الدولة. ويصفه المقري في (نفح الطيب) بالمروءة وحب الخير وحرصه على مساعدة الناس وقضاء حاجاتهم ورعاية الغرباء منهم. وهو يعبر بصدق وجداني عن تلك المزايا الإنسانية في شعره، إذ يقول:
يحسب الناس بأني متعب ... في الشفاعات وتكليف الورى ...
والذي يتبعهم من ذاك لي ... راحة في غيرها لن أفكرا ...
وبودي لو أقضّي العمر في ... خدمة الطلاب حتى في الكرى([17]).
يذكر كراتشكوفسكي بأن ابن جبير كان ممن لعب دوراً هاماً في تطوير الأدب العربي. ويذكر أرباب التراجم بأنه من أدباء عصره وله نظم بارع ونثر بديع. له ديوان شعر ورسائل منثورة آلت إلى شهرته إلا أن أساس شهرته قامت عن كتابه الذي عرف باسمه «رحلة ابن جبير».
وقد كانت وفاة ابن جبير في سنة 614 هـ. في آخر رحلة قام بها الى مصر والإسكندرية حيث أقام هنالك محدثا([18]).
الكتاب ومؤلفه :
كتب ابن جبير بعض مشاهداته في إحدى رحلاته إلى الشرق فيما بين سنتي (578/ 581 ه ـ 1182/ 1185م) فتولى أحد تلاميذه ـ فيما يقال ـ الرحلة المعروفة باسمه وقد طبعت مرارا ونالت جانبا من الدراسة من بعض الباحثين. ومنهم الأستاذ الشيخ عبد القدوس الأنصاري، حيث ألف عنها «مع ابن جبير في رحلته»([19]).
لقد قامت شهرة ابن جبير عن كتابه الذي عرف باسمه (رحلة ابن جبير) اذ أنه جاء ثمرة لرحلات ثلاث قام بها، أهمها رحلة استغرقت أكثر من ثلاث سنوات وقد بدأها في يوم الاثنين في التاسع عشر من شهر شوال سنة 578 هـ. وختمها في يوم الخميس في الثاني والعشرين من شهر محرم سنة 581 هـ.
وقد جاء هذا الكتاب حافلا بالمشاهد والتجارب التي اكتسبها اثناء تجواله في عجائب البلدان والمدن، ورؤيته لغرائب المشاهد، واطلاعه على الشؤون والأحوال السياسية والاجتماعية والأخلاقية التي كانت سائدة في تلك الحقبات من الزمن.
وقد استرعى اهتمام المستشرقين لما له من قيمة نفيسة. فترجموا أول شيء القسم المختص منه بصقليّة الى الفرنسية وطبع في عام 1846 م، ثم طبع كله ولأول مرة في ليدن عام 1852م.. بإضافة مقدمة اليه وضعها المستشرق رايت. ثم أعيد طبعه عام 1907 م. مع ترجمة لمؤلفه ([20]).
جاء في بداية رحلته : بسم الله الرّحمن الرّحيم ابتدئ بتقييدها يوم الجمعة الموفي ثلاثين لشهر شوّال سنة ثمان وسبعين وخمس مئة على متن البحر بمقابلة جبل شلير عرّفنا الله السلامة بمنّه.
وكان انفصال أحمد بن حسان ومحمد بن جبير من غرناطة، حرسها الله للنية الحجازية المباركة، قرنها الله بالتيسير والتسهيل وتعريف الصنع الجميل، أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال المذكور وبموافقة اليوم الثالث لشهر فبرير الأعجمي. وكان الاجتياز على جيّان «2» لقضاء بعض الأسباب، ثم كان الخروج منها أول ساعة من يوم الاثنين التاسع عشر لشهر شوّال المذكور وبموافقة اليوم الرابع عشر لشهر فبرير المذكور أيضا.
وكانت مرحلتنا الأولى منها الى حصن القبذاق ثم منه الى حصن قبرة
ثم منه الى مدينة استجة ثم منها الى حصن أشونة ثم منه الى شلبر ثم منه الى حصن أركش ثم منه الى قرية تعرف بقرية القشمة من قرى مدينة ابن السليم ثم منها الى جزيرة طريف، وذلك يوم الاثنين السادس والعشرين من الشهر المؤرخ.
فلما كان ظهر يوم الثلاثاء من اليوم الثاني، يسر الله علينا في عبور البحر الى قصر مصمودة تيسيرا عجيبا، والحمد لله. ونهضنا منه الى سبتة غدوة يوم الأربعاء الثامن والعشرين منه، وألفينا بها مركبا للروم الجنويّين مقلعا الى الإسكندرية بحول الله، عز وجلّ، فسهّل الله علينا في الركوب فيه.([21])
قال شهاب الدين أبو العباس بن المقري : كان انفصاله ـ رحمه الله تعالى! ـ من غرناطة بقصد الرحلة المشرقية أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال سنة 578، ووصل الإسكندرية يوم السبت التاسع والعشرين من ذي القعدة الحرام من السنة، فكانت إقامته على متن البحر من الأندلس إلى الإسكندرية ثلاثين يوما، ونزل البر الإسكندراني في الحادي والثلاثين، وحج رحمه الله تعالى وتجوّل في البلاد ودخل الشام والعراق والجزيرة وغيرها، وكان ـ رحمه الله تعالى! كما قال ابن الرقيق ـ من أعلام العلماء العارفين بالله، كتب في أول أمره عن السيد أبي سعيد بن عبد المؤمن صاحب غرناطة، فاستدعاه لأن يكتب عنه كتابا وهو على شرابه، فمدّ يده إليه بكأس، فأظهر الانقباض، وقال: يا سيدي ما شربتها قط، فقال: والله لتشربنّ منها سبعا، فلما رأى العزيمة شرب سبع أكؤس، فملأ له السيد الكأس من دنانير سبع مرات وصبّ ذلك في حجره، فحمله إلى منزله وأضمر أن يجعل كفارة شربه الحج بتلك الدنانير، ثم رغب إلى السيد، وأعلمه أنه حلف بأيمان لا خروج له عنها أنه يحج في تلك السنة، فأسعفه، وباع ملكا له تزود به، وأنفق تلك الدنانير في سبيل البر([22]).
قال في رحلته في حق دمشق: جنة المشرق ، ومطلع حسنه المونق المشرق، هي خاتمه بلاد الإسلام التي استقريناها، وعروس المدن التي اجتليناها التي قد تحلّت بأزاهير الرياحين، وتجلت في حلل سندسية من البساتين، وحلت من موضع الحسن بمكان مكين، وتزينت في منصتها أجمل تزيين، وتشرفت بأن آوى الله تعالى المسيح وأمّه منها إلى ربوة ذات قرار ومعين، ظل ظليل، وماء سلسبيل، تناسب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل، تتبرج لناظريها بمجتلى صقيل، وتناديهم هلموا إلى معرّس للحسن ومقيل، قد سئمت أرضها كثرة الماء، حتى اشتاقت إلى الظّمإ، فتكاد تناديك بها الصمّ الصلاب، أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، قد أحدقت بها البساتين إحداق الهالة بالقمر، واكتنفتها اكتناف الكمامة للزهر، وامتدّت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر، فكلّ موقع لحظة بجهاتها الأربع نظرته اليانعة قيد النظر، ولله صدق القائلين فيها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها.
قال العلامة ابن جابر الوادي آشي، بعد ذكره وصف ابن جبير لدمشق، ما نصه: ولقد أحسن فيما وصف منها وأجاد، وتوّق الأنفس للتطلع على صورتها بما أفاد، هذا ولم تكن بها إقامة، فيعرب عنها بحقيقة علامة، وما وصف ذهبيّات أصيلها وقد حان من الشمس غروب، ولا أزمان فصولها المتنوعات ، ولا أوقات سرورها المهنئات، ولقد أنصف من قال: ألفيتها كما تصف الألسن، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، انتهى([23]).
وفي نهاية رحلته يقول :
شهر محرم سنة إحدى وثمانين:
غمّ هلاله علينا فحسبناه على الكمال من ليلة الخميس الرابع لشهر أبريل، عرّفنا الله بركة هذه السنة ويمنها ورزقنا خيرها ووقانا شرّها ومنّ علينا بنظم الشمل فيها، انه سميع مجيب.
وفي ليلة الجمعة الثاني منه أهب الله علينا ريحا شرقية أقلعنا بها، وهي لينة رخاء، الى ان استشرت فعادت ريحا شديدة جرى بها المركب أقوى جري وأعدله، وما زلنا منذ ركبنا البحر نتنسم هذا الأفق الشرقي شوقا الى ريحه فلا يهب منه نسيم حتى خلناه لعدمه عنقاء مغربا، الى أن تداركنا الله بلطفه وجميل صنعه فأجراه لنا الآن في شهر نيسان، عرّفنا الله السلامة بمنه وكرمه.
وصحبتنا هذه الريح الشرقية نحو يومين سرنا فيهما سيرا حثيثا، وتركنا جزيرة سردانية عن يميننا، ثم تلاعبت بنا الرياح المختلفة فأقمنا بها نضرب البحر طولا وعرضا ولا يتراءى لنا بر حتى ساءت ظنون وتوهمنا اسقاط الرياح لنا الى جهة بر برشلونة، دمرها الله، الى أن أذن الله بالفرج فأبصرنا بر جزيرة يابسة ليلة السبت العاشر من الشهر المذكور، ونحن لا نكاد نتبينه لبعد خيالا خفيا، فلما كان يوم السبت المذكور بان لنا، فدخلنا مرسى الجزيرة المذكورة مع الليل بعد مكابدة اختلاف الرياح في دخوله. فأرسينا والمدينة منا على مقدار اربعة أميال، وكان إرساؤنا بازاء فرمنتيرة وهي منقطعة عن جزيرة يابسة وبينهما مقدار أربعة أميال أو خمسه، وفيها قرى كثيرة معمورة، فأقمنا بمرساها ونحن بمقربة من الجبلين المنقطعين المتناظرين المعروفين بالشيخ والعجوز. وفي تلك الليلة مع المغيب أبصرنا جبال بر الأندلس، وأقربها منا جبل دانية المعروف بقاعون.
فحدقت الأبصار لهذا البر سرورا بمرآه واستبشرت الأنفس بالدنو منه. وأصبحنا يوم الأحد الحادي عشر من الشهر بالمرسى المذكور والريح غربية ونحن ننتظر تتميم الصنع الجميل من الله عزّ وجلّ بإرسال الريح الموافقة، نشرا بين يدي رحمته ان شاء الله.
وفي ضحوة يوم الثلاثاء الثالث عشر منه أقلعنا على اليمن والبركة بريح شرقية لينة المهب لها نفس خافت، داعين لله عز وجل في احياء ذمائها، وتقوية اجرائها، وجبال دانية أمامنا رأي العين، والله يتمم فضله علينا، ويكمل صنعه بعزته لنا. وتمادت وانتشرت بفضل الله تعالى، فنزلنا بقرطاجنّة عشي يوم الخميس الخامس عشر منه، شاكرين لله على ما من به من السلامة والعافية، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد خاتم النبيين، وامام المرسلين. ثم أقلعنا منها اثر صلاة الجمعة السادس عشر منه فبتنا في فحص قرطاجنة بالبرج المعروف ببرج الثلاثة صهاريج، ثم منه يوم السبت الى مرسيه، ومنها في اليوم بعينه الى البرالة، ثم منها يوم الأحد الى لورقة، ثم منها يوم الاثنين الى المنصورة، ثم منها يوم الثلاثاء الى قنالش بسطة، ثم منها يوم الاربعاء الى وادي آش، ثم منها يوم الخميس الثاني والعشرين لمحرم، والخامس والعشرين لأبريل، الى المنزل بغرناطة... فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر([24]).
3 - ابن بطوطه:
نسبه ومولده ونشأته :
هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن يوسف اللّواتي الطنجي الملقب في المشرق بشمس الدّين والمكنّى عندي بأبي أحمد لوجود ولد له يحمل هذا الاسم ... ومعلوم أن (لواتة) قبيلة واسعة الانتشار في مصر يؤكد المقريزي أنها عربية([25]).
ولد بطنجة يوم الاثنين 17 رجب 703- 24 فبراير 1304، ويبدو أن الأسرة تنسب إلى سيدة كانت تحمل اسم فاطمة: عادة معروفة من قديم تنسب الناس إلى أمهاتهم، وتتحول فاطمة في المشرق- تدلّلا- إلى بطة، ونحن نعرف عن ابن بطة العكبرى (ت 387) ، وتمسي بطّة في المغرب بطّوطة كسفّودة على ما في تاج العروس للزّبيدى (فصل الباء من باب الطاء) ([26]).
وبيت ابن بطوطة معروف على أنه بيت علم وقضاء ... ونعرف أن طنجة نفسها كانت مرفأ دوليا هاما يتوفر على كلّ مقومات الحضارة. وقد عرفنا عن استقبالها للشعراء أمثال أبي الحسن الحصرى صاحب القصيدة التي مطلعها: «ياليل الصبّ متى غده» كما عرفنا عن ابن سمجون اللواتي الطنجي الذي رحل إلى المشرق وعاد لطنجة ومات بها، وقد وقفنا في البرتغال على نص ملكية لبعض مخطوطات (قضاة قرطبة للخشني) : وهو هكذا" ملكه محمد بن محمد بن عبد الرحمن اللّواتي الشهير في طنجة بابن بطوطة" وسنقرأ حديث ابن بطوطة، وهو في رندة، عن ابن عمه أبي القاسم محمد بن يحيى قاضي المدينة ... كما نعرف عن أسرة البطوطي التي وضع أحد أفرادها بفاس قطعة أسطرلاب فائقة الدقة ([27]) .
وبعد عودة ابن بطوطة إلى المغرب، وبعد إفلاته من اشاعة" تناجي" بعض المعاصرين حوله على ما أشرنا أمسى من جلساء السلطان أبي عنان الذي أصدر أمرا لكاتبه ابن جزيّ بتدوين رحلة ابن بطّوطة. قبل أن يتقلد هذا الأخير منصب قاضي إقليم تامسنا.
وقد وجدنا في (نفاضة الجراب) للسان الدين ابن الخطيب رسالة موجّهة من هذا إلى القاضي ابن بطوطة. وكان ابن الخطيب قرّر عند ما التجأ إلى المغرب عام 760- 1359 أن يستثمر أمواله في منطقة نفوذ ابن بطوطة، وكانت تامسنا تابعة لمملكة فاس على ما يقوله الحسن ابن الوزان .
وإذا كان مترجموه أهملوا الحديث عن ظروف وفاته، فإن الحافظ ابن حجر سالف الذكر في" الدرر الكامنة" يفيد أن ابن بطوطة بقي إلى سنة سبعين وأدركته وفاته وهو متول للقضاء يعني حتى عهد السلطان عبد العزيز بن أبي الحسن أخى السلطان أبي عنان مما يعني أنّ أجله أدركه بتامسنا التي كانت عاصمتها آنذاك أنفا وليس بفاس ولا بطنجة ...
ولله در مولانا جلال الدّين الرومي (672- 1273) عند ما يقول:" حينما نموت لا تبحثوا عن قبورنا في التّراب ولكن ابحثوا عنا في قلوب الناس!! " لقد كان رحله دائما على استعداد، وهو لا يفتأ متنقلا باحثا عما يضمن له الزاد في خطاب لسان الدين ابن الخطيب لصديقه شمس الدين ابن بطوطة قاضي تامسنا- نسخة خاصة.
تامسنا الأمس قدر لها أن تكتسب اليوم هذه المعلمة الحضارية الكبرى" مسجد الحسن الثاني"([28]).
لقد قام ابن بطوطة برحلاته العديدة التي كان يستهدف فيها أحيانا لسائر أنواع الامتحان، ويتعرض للخطر في عدد من الحالات ... ، وحتى عند ما قام بزيارة الأندلس وبلاد السودان، لكنه نجا من جميع تلك الأهوال فكان لسان حاله ينشد قول الشريف الادريسي:
دعني أجل ما بدت لي ... سفينة أو مطيّة
لا بدّ يقطع سيري ... أمنة أو منية!!
وإن الذين يسمحون لأنفسهم بتحجيم ابن بطوطة والادعاء بأنه كان محدود الثقافة كانوا بعيدين عن الحقيقة ... ولعل بعضهم ظلّل بما قرأه عن تكليف السلطان أبي عنان للكاتب ابن جزي بترتيب الرحلة ... حيث وجد في ذلك ما يعبر- ربّما- عن" عجز" ابن بطوطة عن القيام بالمهمة ... ! وهذا خطأ" بيّن، تكشف لنا عنه , أولا : الصفة التي رشّحت ابن جزي للقيام بهذا العمل والتي أشار اليها المقري في (النفح) " بأنه أي ابن جزي، إن كتب أربى على ابن مقلة بخطّه ... "
وثانيا :ما أضفاه ابن جزي نفسه في المقدمة على ابن بطوطة من كل الاوصاف التي تؤكد عن عمق معارف الرحالة: فهو" الشيخ، وهو الفقيه وهو الثقة وهو الصدوق، وهو الذي باحث فرق الأمم، وسبر سير العرب والعجم، ولم أتعرض- يقول ابن جزي- لبحث عن حقيقة ما قال لأنه سلك في إسناد صحاحها أقوم المسالك ... !
ونريد أن نقول، ونحن نقف إلى جانب من يقتنعون بالمركز العلمي المرموق للرحالة المغربي، نقول: إن القرار الذي اتخذه السلطان أبي عنان بالإعلان عن مصداقية الرحلة وأهميتها لم يكن قرارا ارتجاليا أو عاطفيا، ولكنه كان وليد استمزاج رأي أعضاء المجلس العلمي الذي اعتاد السلطان أن يركن إليه كلّ مطلع شمس، ذلك المجلس الذي كان بمثابة أكاديمية حقيقية يلجأ إليها العاهل عند الحاجة، وقد قرأنا فيما سجله الكاتب ابن جزي في مقدمة الرحلة أنه" لا تقع في مجلس أبي عنان مسألة علمية في أيّ علم كان، إلا حل مشكلها وباحث في دقائقها واستخرج غوامضها واستدرك على علماء مجلسه ما فاته من مغلقاتها ... فكانت مجالسه لا تخلو من مباحثات ومناظرات ...
وقد ذكر العلامة المؤقت أبو زيد عبد الرحمن الجاديري (ت 938- 1534) نقلا عن شيخه الرئيس أبي الوليد اسماعيل بن الأحمر (ت 807- 1405) في شرحه لقول البوصيري:
لعلّ رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم
ذكر ما يؤكد أن ابن بطوطة كان معدودا في صدر أعضاء ذلك" المجلس الأكاديمي".
وقد وقع الكلام بين يدي السلطان أمير المؤمنين أبي عنان ... في مقعد ملكه من المدينة البيضاء من حضرة فاس بمحضر الفقهاء والعلماء والأساتذة والقضاة والشرفاء والخطباء وأصحاب العلوم ... وأخذ الرئيس أبو الوليد يعددهم واحدا واحدا إلى أن قال: وشيخنا الفقيه القاضي الخطيب الحاج الكثير الجولة بالمشرق والمغرب وجميع البلاد محمد ابن بطوطة الطنجي العارف بالتاريخ ... " على ما نذكره في الملاحق.
ومعنى هذا أن الرحالة المغربي كان معدودا في صدر رجالات الفكر والعلم والدولة جميعا وللمتتبع لغضون الرحلة أن يقف بنفسه عند الخطوات الأولى للرجل، وهو يودّع طرابلس، عند ما تقدم على سائر رفاقه وفرض نفسه على بقية أعضاء الركب.
وإن ابن بطوطة، وهو ما يزال في بداية طريقه، في الاسكندرية أخذ عن الشيخ ياقوت تلميذ أبي العباس المرسي، فهو شادلي بالواسطة وقد حصل في دمشق على نحو من ثلاث عشرة إجازة، وفيمن أجازوه أم عبد الله زينب بنت الكمال المقدسية، ولقد كان حريصا على أن يذكر أسماء الذين أجازوه في أرض الشام، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على" انتساب" الرجل إلى بيت العلم والفقه والحديث ...([29])
ويكفينا في هذا الرجل أنه عرفنا بنفسه من خلال ما حكاه هو عن سيرته الذاتية.
وهكذا فإننا لا نجد عنه شيئا سوى ما ورد عن لسان الدين ابن الخطيب (ت 776- 1375 1374) في الإحاطة من معلومات جدّ محدودة، على خلاف صنيعه مع ابن جبير الذي ينتمي لبلدته والذي خصص له لسان الدّين عشر صفحات كاملة!! وسوى ما ورد عن ابن خلدون (ت 808- 1405) في مقدمته، وما ورد عن ابن حجر (ت 852- 1448) في الدرر الكامنة من معلومات أضافت بعض العناصر المفيدة على نحو ما قرأناه عن التمجروتي عام 997- 1589 في" النفحة المسكية"، والمقري (ت 1041- 1632) في" نفح الطيب ... "
لكن ما دوّنه في رحلته كان كافيّا وحده ليعطي فكرة مدققة عن الرجل من نشأته بطنجة إلى أن استقبله بفاس السلطان أبو عنان، وإلى أن صحب ركبه وهو عائد من مراكش يحتمل شلو أبيه ... فكرة مدققة عن صفاته، عن شخصيته، عن إبائه، عن حالته الاجتماعية.
وتبقى بعد هذا نحو ثلاث عشر سنة من حياة الرجل ظلت تفاصيلها غائبة عنا لم نعرف عنها شيئا، عن أهله وعن نسله سوى أنه يزاول القضاء في إقليم تامسنا الذي يعتبر من أوسع وأغنى الأقاليم المغربية في مملكة فاس ... لقد خفت صوته باختفاء وليّ نعمته السلطان أبي عنان.
ومما لا جدال فيه أن أبا عبد الله محمد بن محمد اللواتي الطنجي المعروف باسم "ابن بطوطة" هو أمير الرحالة المسلمين بلا منافس1، وقد قضى نحو ثلاثين عامًا في أسفار. وقد كتب محمد بن جزي أخبار أسفار ابن بطوطة تحت اسم "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار". وقد مات ابن بطوطة عام 1369 في مدينة فاس بالمغرب.
وقد قطع ابن بطوطة في أسفاره ما لا يقل عن خمسة وسبعين ألف ميل "120 ألف كم". وكان ابن بطوطة قد بدأ ترحاله بخروجه في يوم الخميس الثاني من شهر رجب عام خمسة وعشرين وسبعمائة هجرية لحج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يكن يدور بخلد صاحبنا أنه لن يعود إلى وطنه إلا بعد مضي أكثر من ربع قرن([30]).
أخلاقه:
لقد كان سريع الاندماج والتأقلم مع أهل المدن والبلدان التي زارها وألف عاداتها نظرا لطول مدة سفره. وهو بهذا عكس العبدري.
فابن بطوطة شديد الحرص على التمسك بتعاليم الدين الإسلامي ([31]). فلا يكاد يسمع برجل صالح أو عالم إلا وسارع إلى لقائه والتبرك بدعائه وهو كثير الزواج ففي كل بلد يحط رحاله بها يتزوج عازما على أن تكون معه ولكن نراه لا يلبث أن يفارقها لعدم قبول الزوجة مفارقة وطنها.
وعرف عن ابن بطوطة شدة الاعتزاز بوطنه والحنين لأهله طوال غيابه عنهم. وتميز بدقة الملاحظة وقوة الذاكرة، وهو مادلت عليه رحلته.
ولا ريب أن ابن بطوطة حذق فنون الفروسية والقتال ففي رحلته ما يشهد على اشتراكه في بعض المعارك التي حدثت أثناء تنقلاته([32]).
سبب رحلته:
لقد كان خروجه للحج وزيارة مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - . وقضى في رحلته هذه وقتا طويلا متنقلا في البلدان؛ إذ بدأها سنة 725 ه/ 1324 م، ولم يصحبه أحد من أقاربه أو أصدقائه على عادة الرحالة المغاربة والأندلسيين.
وقد أدى ابن بطوطة فريضة الحج سبع مرات وهو ما لم يشر إليه كل من تناول دراسة رحلة ابن بطوطة وقد كانت الأولى منها سنة 726 ه/ 1325 م والثانية سنة 727 ه/ 1326 م والثالثة سنة 728 ه/ 1327 م والرابعة سنة 729 ه/ 1328 م والخامسة سنة 730 ه/ 1329 م والسادسة سنة 732 ه/ 1331 م والسابعة سنة 749 ه/ 1348 م ([33]).
واستمرت رحلة ابن بطوطة في المشرق حوالي خمس وعشرين سنة منذ خروجه عام 725 ه/ 1324 م إلى حين عودته إلى فاس عام 750 ه/ 1349 م ولكنه لم يلبث أن واصل رحلته إلى الأندلس وتنقل فيها وتركها في عام 753 ه/ 1352 م. ثم عاود التجوال متجها صوب بلاد السودان وعاد منها سنة 754 ه/ 1353 م ([34]).
وهكذا استمرت رحلته ما يقرب من تسعة وعشرين عاما جاب فيها جميع الأقطار التي تسنى له الوصول إليها في ذلك الوقت.
ويمكننا أن نقسم رحلته إلى ثلاث رحلات: الأولى وهي الأطول وشملت المشرق كله بالإضافة إلى جزء من شمال آسيا. أما الرحلة الثانية فكانت إلى بلاد الأندلس، والثالثة إلى بلاد السودان. وعند ما عاد ابن بطوطة إلى فاس قيض الله له السلطان أبا عنان المريني سلطان مراكش الذي اتصل به.
فكان نتيجة هذا الاتصال ظهور كتاب رحلة ابن بطوطة الذي أسماه تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. والذي تصدر لكتابته ابن جزى حيث انتهى من كتابته في عام 757 ه / 1356 م ([35]).
الثلاثة الذين كانوا وراء إنجاز الرحلة بجوار ابن بطوطة
(1) السلطان أبو عنان:
عندما يذكر التاريخ المعالم الحضارية التي شيدها السّلطان أبو عنان (759 هـ- 1358 م) بن السلطان أبي الحسن بن السلطان أبي سعيد بن السلطان يعقوب بن عبد الحق مؤسس دولة بني مرين، وعند ما يذكر التاريخ مجالسه العلمية التي كانت أشبه ما تكون بدور الحكمة بالأمس أو بالأكاديميات كما نسميها اليوم، وعند ما يذكر التّاريخ الأصداء العظيمة التي تركها أبو عنان على الساحة الدّولية بما وقّعه من اتفاقيات وما أبرمه من معاهدات، وعند ما تتحدث مصادر التاريخ عن أسطوله الذي كان يقوم بنفسه على بنائه، وعند ما نذكر حسّه السياسي المرهف وحزمه في ممارسة الحكم وعند ما نذكر هوايته الرياضية المفضلة: القنص بالصّقر ...
عند ما يذكر الناس كلّ هذا فإن من واجبهم أن يذكروا إلى جانب تلك المناقب والمحامد عملا آخر لا يقلّ- إن لم نقل إنه ينافس- عن تلك الأعمال أو يفوقها، ذلك العمل هو الأمر الذي أصدره- وهو بفاس- بانتساخ رحلة ابن بطوطة وجعلها في متناول القراء بالرغم مما ظهر من بعض معاصري الرحالة المغربي من أمثال ابن خلدون الذين شككوا في مصداقية الرحلة وقصدوا الوزير ابن ودرار في محاولة لكتم أنفاسها([36]).
(2) ابن ودرار:
كان في أبرز ما لفت نظرنا من سيرته أنه الوزير الحصيف الذي أنصف ابن بطوطة وأرجع ابن خلدون إلى صوابه فيما يتعلق بمصداقية الرحلة.
كان أبو زيان فارس ابن ميمون ابن ودرار الحشمي قائدا مرموقا لدى السلطان أبي الحسن، ومن هنا رشّحه للقيام بالسفارة عنه لدى الملك الناصر محمد بن قلاوون بمصر في أعقاب استرجاع السلطان أبي الحسن لملكه على تلمسان وبجاية عام 737- 1337، الأمر الذي ردّدت صداه ممالك إفريقيا على ما تؤكده كتب التاريخ.
وقد تضمنت الرسالة التي حملها ابن ودرار إلى العاهل المصري أخبارا جدّ هامة عن الحالة في الغرب الإسلامي .
ثم أصبح ابن ودرار وزيرا ملازما للسلطان أبي عنان بعد تمكنه من الحكم عوض أبيه، فكان السلطان يعهد إليه بالمهمات الجسام، وهكذا نجح عام 753- 1352، في المهمّة التي عهد بها إليه في معركة أنگاد ... كما نجح في تطويق حركة قامت جنوب المغرب عام 754- 1353 حيث أنشأ مدينة أسماها (القاهرة) أحكم بها الحصار على المتمردين هناك! وبعد أربع سنوات، أي في عام 758- 1357 عهد إليه بإخماد ثورة للحفصيين بتونس فجاءوا إليه مهطعين.
وهكذا بلغ ابن ودرار منزلة لم يبلغها أحد في الدولة، وهنا حصل ما يمكن أن يحصل عند ما يشعر القائد، أيّ قائد، بأنه أمسى في موقع" لا يمكن الاستغناء عنه فيه"، بل وبأنّ في استطاعته أن يصبح الرقم الواحد في الدّولة!. ولم يكن السلطان أبو عنان من الملوك الذين تغيب عنهم" الهواجس"، وهكذا فما لبث الوزير أن فوجيء بمداهمة بيته والإجهاز عليه والناس يحتفلون بعيد الأضحى من عام 758 (أواخر نونبر 1357) ([37]).
(3) ابن جزي:
وتأتي الشخصية الثالثة التي كان سبب ظهورها على الساحة حدثا وقع على سبيل الصدفة! ويتعلق الأمر بأبي عبد الله محمد بن أبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي المولود بغرناطة سنة 721- 1321.
لقد اجتمع هذا الرجل بالرحالة المغربي في غرناطة، وبالضبط في بستان أبي القاسم ابن عاصم حيث انتظم لقاء نزهة جمع عددا من وجوه العاصمة الاندلسية، ووجدنا أن ابن جزي يعرب عن ارتياحه للاستمتاع بأخبار رحلة ابن بطوطة، ولم يتردد في الاعتراف بأنه قيّد عنه في ذلك البستان أسماء الأعلام الذين لقيّهم ابن بطوطة في الرحلة، وأنه استفاد منه فوائد عجيبة ... " وبهذه المناسبة سأل ابن بطوطة عن مولده فأخبره بأنه ولد بطنجة يوم الاثنين 17" رجب 703 ولا ننسى أنّ ابن جزي هذا كان على ذلك العهد في خدمة أبي الحجاج يوسف ابن الأحمر النصري ملك غرناطة الذي كان يطرب لأدب الكاتب وفكاهته ...
" وإذا أراد الله أمرا هيّأ له أسبابه" كما يقولون. فقد حدث أن تعرض ابن جزي لظلم لحقه من ملكه أبي الحجاج في أعقاب وشاية آثمة، ولم يتحمل ابن جزي إهانة السوط فالتحق بالمغرب «في آخر عام ثلاثة وخمسين» حيث وجد من السلطان أبي عنان ما كان يرجوه ...
وقد كان ابن جزي في صدر الذين قالوا الشعر في" الزاوية العظمى" التي بناها السلطان أبو عنان على ضفاف وادي الجواهر.
وقد شرع في تأليف حول تاريخ غرناطة. وقف لسان الدين ابى الخطيب على بعض أجزائه عام 755- 1354 بمناسبة سفارته لدى السلطان أبي عنان.
وعند ما قرّر السلطان أبو عنان استنساخ رحلة ابن بطوطة لم يجد في مجلسه أفضل من الكاتب ابن جزي صاحب الخط الرفيع البديع سيّما وأنه قام- على ما أسلفنا- بالخطوات الأولى وهو في غرناطة، وهكذا امتثل الأمر على ما كان به من علة لم تمهله. وهكذا كتب لابن جزي أن يستمر ذكره عبر الأرجاء رغم عمر قصير لم يتجاوز ستّا وثلاثين سنة([38])...
مميزات رحلته:
امتازت رحلة ابن بطوطة بطولها، وحفلت بتنوع حوادثها فجمعت الكثير من الغرائب والعجائب التي آثارت الشك لدى الكثير من الكتاب، وحوت الكثير من المعلومات عن أحوال المسلمين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
واستغرقت رحلته فترة تزيد على الثمانية والعشرين عاما سلك فيها طريق البر والبحر.
وكان ابن بطوطة حريصا على الاتصال بالملوك لينال أعطياتهم ويتمكن من موامصلة رحلته مما يدل على علو مكانته الاجتماعية. ويلاحظ أن ابن بطوطة لم يدون في رحلته طلبه للعلم، والتقاءه بالعلماء، والكتب المتداولة، وأماكن التدريس.
وقد وقع ابن بطوطة في بعض الأخطاء الجغرافية لا سيما فيما يتعلق بأسماء بعض البلدان والمدن؛ ولعل السبب في ذلك مرده إلى عدم معرفته بلغات أهلها. أو لأنه لم يدونها في حينها بل أملاها من الذاكرة وكتبها له ابن جزي بعد سماعها منه.
والملاحظ فيها أيضا اهتمام ابن بطوطة بالجانب الاجتماعي من حيث حالة العلماء والملوك وعادات الناس في البلاد التي زارها. ويبدو أن ابن بطوطة قام بنقل الوصف الجغرافي من الرحالة السابقين وهذا مرده تدوين رحلته من الذاكرة فكان من الطبيعي أنه لا يستطيع وصف ما شاهده وأغلب الظن أن ابن جزي أكمل هذه الناحية من الرحلات السابقة، إذ أن ابن بطوطة لم يعرها اهتمامه. فهو لم يدون رحلته في حينها فاعتمد على الذاكرة في إملائها بعد عودته فوقع في الكثير من الأخطاء.
والملاحظ أيضا عدم وجود الترتيب في تقييدها إذ تداخلت الأحداث والحكايات بعضها ببعض، ولعلها قد تكون نتيجة خطأ الكاتب.
وتمتع ابن بطوطة بذاكرة قوية خاصة في سرد بعض المعلومات الخاصة بوصف المساجد وأبعادها.
وحفلت رحلة ابن بطوطة ببعض الحكايات والروايات الخرافية دون تمحيص منه ولا تدقيق، وهذا بلاشك عائد إلى تكوين شخصية ابن بطوطة، فهو رجل مسلم يمثل عامة المسلمين في معتقداتهم لتلك الفترة التي عمت فيها مثل هذه الظواهر الاجتماعية.
ويظهر من فحوى كلام ابن بطوطة أنه لم يكن يرغب في البداية في تدوين رحلته ومرجع ذلك كله إلى رغبة السلطان المريني أبي عنان للاستفادة منها.
وابن بطوطة في إيراده للمعلومات الخاصة بالجوانب الاجتماعية والسياسية والدينية يمثل شاهد عيان نقل لنا مشاهداته وما وصل إلى سمعه. وهذا ما جعله ضمن الرحالة المشهورين الحريصين على إيصال المعلومات بدقة. ومن هنا تكمن أهمية رحلته من الناحية التاريخية.
لقد وصف ابن بطوطة مكة المكرمة والمدينة المنورة والمسجدين المكي والمدني، وعمد إلى الاختلاط بطبقات الناس. فهو أكثر الرحالة احتكاكا بهم في رحلاته، فجاءت رحلته حافلة بأوصاف دقيقة مع اهتمامه بذكر القصص الغريبة والنادرة، في رحلته.
وعلى العموم فرحلة ابن بطوطة في جملتها مثلت فترة من التاريخ الاجتماعي الإسلامي أكثر من أي ناحية أخرى، بسبب ما وجد فيها من غرائب هي مثار فحص وتدقيق للتثبت منها([39]).
المبحث الثاني : درر ونفحات من حياة بعض الجغرافيين المغاربة .
1- الشريف الإدريسي:
مولده ونسبه ونشأته :
ولد محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس بن يحيى بن علي بن حمود ابن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب» ، المعروف بالشريف الإدريسي، والحمودي، والصقلي، والقرطبي في مدينة «سبتة» في المغرب سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة للهجرة (1100 م) . ومنها كان منطلقه إلى بلدان المغرب حيث نشأته الأولى بها بحثا عن العلم والمعرفة هناك، تماما كما كانت قرطبة- فيما بعد- نقطة انطلاق لجولات كثيرة في الأندلس إلى أن قدّر له الارتحال إلى المشرق العربي لزيارة مصر وغيرها، ثم العودة منه إلى «سبتة» ، حيث استقدمه «رجار الثاني» - ملك صقلية- إليها سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة للهجرة (1138 م) . ليستقر بها، مقربا من بلاط الملك، الذي أكرم نزله، وبالغ في تعظيمه، بحيث كان يأتي إليه راكبا، فإذا صار عنده تنحى عن مجلسه، وأجلسه بجانبه، وقد رتبت له كفاية لا تكون إلا للملوك على حد قول «الصفدي» فيه.
ويبدو أن هذه المعاملة، وهذا العيش الرغد لم يتبدلا بعد وفاة «رجار» (ت 548 هـ / 1154 م) ، وأن «الإدريسي» قد عاش عيشة رغدة في كنف خلفه «غليالم الأول» - وإن تبدلت حال الدول- إلى أن قدرت وفاته هناك سنة ستين وخمسمائة للهجرة (1165- 64 م) ، على أرجح الأقوال([40]).
آثاره ومؤلفاته:
لم يكن الإدريسي جغرافياً، خرائطياً فقط، وإنما كان مع ذلك عالماً متعدد المعارف والمهارات، تذكر له مشاركة في كثير من فروع العلم الأخرى، كالصيدلة، والطب، والنباتات، كما كان أديبا جيد الأدب، شاعراً و..
يبدو أنه ترك في كلّ مؤلفات متعددة، وإن لم يبق منها أو من ذكراها سوى:
- الجامع لأشتات النبات، ويعرف كذلك باسمي: «المفردات» ، و «الأدوية المفردة» .
- روض الأنس ونزهة النفس، أو المسالك والممالك.
- نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ([41]).
لقد قام الإدريسي بأعباء تصنيف «نزهة المشتاق» ، حيث أمضى في جمع وترتيب مادته قرابة الخمسة عشر عاما، واختصره في «روض الأنس ونزهة النفس»
لم يكن الإدريسي- فيما نعلم- جغرافيا، خرائطيا- فقط- وإنما كان مع ذلك عالما متعدد المعارف والمهارات، تذكر له مشاركة في كثير من فروع العلم الأخرى، كالصيدلة، والطب، والنباتات، كما كان أديبا جيد الأدب، شاعرا..
يبدو أنه ترك في كلّ مؤلفات متعددة، وإن لم يبق منها أو من ذكراها سوى:
1- الجامع لأشتات النبات، ويعرف كذلك باسمي: «المفردات» ، و «الأدوية المفردة» .
وهو مؤلف دال على علم واسع بالنباتات والأعشاب والأدوية، امتاز بالدقة في رسم أسماء العقار ووصف خصائصه، تحتفظ مكتبة الفاتح في استامبول بشطر منه، يحتوي على ثمان وأربعين ومائة ورقة، تحت رقم: 3610، وعنه مصورة دار الكتب المصرية، ذات الرقم: 1524.
2- روض الأنس ونزهة النفس، أو المسالك والممالك، وهو مخط.
مفقود حتى الآن، وإن بقي له مختصران، أحدهما في مكتبة حكيم أوغلو في استانبول برقم: 688، والآخر في دمشق، يحملان عنواني: «أنس المهج وروض الفرج» ، أو «روض الفرج ونزهة المهج» ، ويقع أولهما في اثنتين وستين ومائة ورقة.
3- نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، وهو هذا، والذي أشار في فاتحته إلى أنه فرغ من تأليفه- بعد خمسة عشر عاما- في شوال سنة ثمان وأربعين وخمسمائة للهجرة (يناير 1154م)([42]).
كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق:
رسم الإدريسي خريطة كروية شاملة للعالم- معتمدا فيها على خريطة «بطليموس» بعد تصحيحها- مقسما محيط الكرة الأرضية طولا إلى عشرة أجزاء متساوية، بخطوط تبدأ من قطب الكرة الأعلى، وتنتهي عند قطبها الأسفل، جاعلا الخط الرئيس فيها هو الخط المار بالجزائر الخالدات في المحيط الأطلسي، ثم عمد إلى تقسيمها إلى سبعة أحزمة عرضية فوق خط الاستواء (تنقسم في داخلها إلى تسعين قسما أو درجة، منحصرة فيما بين خط الاستواء والقطب الشمالي) ، وبذلك انقسمت خريطته إلى سبعين جزءا، نقلها إلى مستطيلات، عمد إلى شرحها والتعريف بها طبيعيا وبشريا في النزهة ، مقسما كتابه إلى مقدمة مقتضبة، أتبعت بسبعة أبواب، ضمت في داخلها سبعين فصلا.
أما المقدمة، فقد اشتملت على:
1- ذكر هيئة الأرض، وقسمتها بأقاليمها، وذكر البحار بمبادئها وانتهاءاتها وأحوازها، وما يلي سواحلها من البلاد والأمم، وقد انبنت- في معظمها- على مفهومات علمية صحيحة عن كروية الأرض «والأرض في ذاتها مستديرة، لكنها غير صادقة الاستدارة» ، وخط الاستواء «والأرض مقسومة بقسمين، بينهما خط الاستواء» ، والأقاليم المناخية المتدرجة شمالا وجنوبا من خط الاستواء، واستطراق البحار بعضها إلى بعض، وتعادل منسوب الماء ...
وتلك مفهومات علمية يؤكد ثباتها في فكر موردها عدم تعارضها لديه بنظريات أخرى يترك لقارئ كتابه الموازنة فيما بينها في سبيل الحكم عليها أو الاختيار منها، كما فعل سابقوه من الجغرافيين والرحالة المسلمين في مؤلفاتهم.
2- دافعه إلى تأليف كتابه هذا، وهو رغبة «رجار الثاني» - ملك صقلية- في الوقوف على حقيقة العالم، بكتاب مطابقي للخريطة الكروية المصورة له، «غير أنه يزيد عليها بوصف أحوال البلاد والأرضين في خلقها وبقاعها، وأماكنها، وصورها، وبحارها، وجبالها، ومسافاتها، ومزدرعاتها، وغلاتها، وأجناس بنائها، وخواصها، والاستعمالات التي تستعمل بها، والصناعات التي تنفق بها، والتجارات التي تجلب إليها وتحمل منها، والعجائب التي تذكر عنها وتنسب إليها، وحيث هي من الأقاليم السبعة، مع ذكر أحوال أهلها وهيئاتهم وخلقهم ومذاهبهم وزيهم وملابسهم ولغاتهم» .
3- تنظيم الكتاب إلى أبواب سبعة، ينقسم كل منها في داخله إلى أجزاء عشرة.
4- التنبيه على احتواء الكتاب على اثنتين وسبعين خريطة توضيحية- خلت هذه الطبعة منها- « ... ورسمنا في كل واحد من هذه الأجزاء ما له من المدن والأكوار والعمارات، ليرى الناظر في ذلك ما خفي عن عيانه أو لم يبلغه علمه، أو لم يمكنه الوصول إليه لتعذر الطرقات واختلاف الأمم، فيصبح له الخبر بالعيان، ومبلغ أعداد هذه المصورات الآتية بعد هذا سبعون مصورة، غير النهايتين اللتين إحداهما نهاية المعمورة من جهة الجنوب، وأكثرها خلاء لشدة الحر وقلة المياه، والنهاية الثانية نهاية المعمورة في جهة الشمال، وأكثرها خلاء لشدة البرد، وأيضا بان مع ما ذكرناه وقدمنا وصفه أن الناظر إذا نظر إلى هذه الصفات المصورة والبلاد المذكورة رأى منها وضعا صحيحا وشكلا صبيحا، لكن يبقى عليه بعد ذلك أن يعلم صفات الممالك وهيئات الأمم وحلاها وزيها وطرقاتها المسلوكة بأميالها وفراسخها وعجائب بلادها» .
وأما الأبواب السبعة المتتالية، فقد خصّص كل باب منها للتعريف بإقليم من هذه الأقاليم «السبعة» المتعارف عليها في الجغرافية القديمة لدى «بطليموس» ومن تابعه، مع توزيعها في داخلها على عشرة أجزاء، يسير في وصفها من الغرب إلى الشرق، ابتداء بالمحيط الأعظم (الأطلسي) عند الجزائر الخالدات، وانتهاء ببحر الصين، معتمدا في هذه الطريقة الوصفية على «المدن» كنقط ارتكاز للوصف، وكأنه يسير في رحلة في نواحي الجزء الذي يصفه.
وبهذا نجد أن «النزهة» قد امتازت عن غيرها من المؤلفات الجغرافية التراثية السالفة عليها بأنها تحمل تصورا عاما يشمل الكرة الأرضية كلها على أنها «كل واحد» جدير بالوصف والتحقيق، المبني على المشاهدة، والقياس، والمقارنة، والربط بين الأجزاء، مع مراعاة النسب فيما بينها، وإن أدى تقسيمها إلى أبواب وفصول إلى تقطيع البلد الواحد في أجزاء متناثرة في الأقاليم، يتطلب جمعها مجهودا خاصا([43]).
مصادر مادة الكتاب:
أجمل الإدريسي في مقدمة كتابه جل مصادره، قائلا: « ... فمن بعض معارفه (معارف رجار الثاني) السنية، ونزعاته الشريفة العلوية، أنه لما اتسعت أعمال مملكته، وتزايدت همم أهل دولته، وأطاعته البلاد الرومية، ودخل أهلها تحت طاعته وسلطانه، أحب أن يعرف كيفيات بلاده حقيقة، ويقتلها يقينا وخبرة، ويعلم حدودها ومسالكها برا وبحرا، وفي أي إقليم هي، وما يخصها من البحار والخلجان الكائنة بها، مع معرفة غيرها من البلاد والأقطار في الأقاليم السبعة التي اتفق عليها المتكلمون، وأثبتها في الدفاتر الناقلون والمؤلفون، وما لكل إقليم منها من قسم بلاد يحتوي عليه ويرجع إليه، ويعد منه، بطلب ما في الكتب المؤلفة في هذا الفن من علم ذلك كله، مثل: كتاب العجائب للمسعودي، وكتاب أبي نصر، سعيد الجيهاني، وكتاب أبي القاسم عبيد الله بن خرداذبة، وكتاب أحمد بن عمر العذري، وكتاب أبي القاسم محمد الحوقلي البغدادي، وكتاب خاناخ بن خاقان الكيماكي، وكتاب موسى بن قاسم القردي، وكتاب أحمد بن يعقوب المعروف باليعقوبي، وكتاب إسحاق بن الحسن المنجم، وكتاب قدامة البصري، وكتاب بطلميوس الأقلودي، وكتاب أرسيوس الأنطاكي.
فلم يجد ذلك فيها مشروحا مستوعبا مفصلا، بل وجده فيها مغفلا، فأحضر لديه العارفين بهذا الشأن، فباحثهم عليه، وأخذ معهم فيه، فلم يجد عندهم علما أكثر مما في الكتب المذكورة، فلما رآهم على مثل هذه الحال بعث إلى سائر بلاده، فأحضر العارفين بها المتجولين فيها، فسألهم عنها بواسطة جمعا وأفرادا، فما اتفق فيه قولهم، وصح في جمعه نقلهم، أثبته وأبقاه، وما اختلفوا فيه أرجأه وألغاه، وأقام على ذلك نحوا من خمس عشرة سنة لا يخلي نفسه في كل وقت من النظر في هذا الفن، والكشف عنه، والبحث عن حقيقته إلى أن تم له فيه ما يريده» ([44]).
ومن هذا النص على طوله نستنتج الآتي:
أولا- أن «النزهة» قد كتبت في ظروف غير اعتيادية، إذ هي تؤلف في جوّ علمي خالص، يعتمد على المكتوب والمسموع والمشاهد، وتلك بيئة علمية أتيحت لها في بلاط ملك عاشق لموضوعها، باحث عن معطياتها.
ثانيا- أن المصادر المصرح في المقدمة بالأخذ عنها قد كتبت في معظمها في القرن الرابع الهجري، بينما كان تحرير «النزهة» في القرن السادس الهجري، فهل كان هناك قصور لدى مؤلفها في الإحاطة بمصادر ما هو بصدد الكتابة فيه؟
هذا ما مال إليه البعض ممن تعرض للإدريسي بالتعريف، ولمؤلفه بالدراسة والبحث، وهو مما لا يتطابق مع الواقع الملموس، المتبدى في سائر مادة الكتاب، إذ جرت عادة المؤلفين المسلمين- فيما قبل وبعد الإدريسي- على الاقتصار في مقدمات مؤلفاتهم على التصريح ببعض المصادر دون بعض، مع الاختلاف النسبي في درجة الأهمية المكتسبة للمؤلف المصرح بالأخذ عنه، سواء بالنقل المتتابع عنه، أو بأهميته في ذاته.. كما أن مصادر «النزهة» غير المصرح بالأخذ عنها في المقدمة، قد نسب إلى معظمها في مادة الفصول والأبواب، كنحو إسناده إلى «الجاحظ» في كتابه «الحيوان» وغيره، بل نجده قد صرح من خلال مادة الكتاب- كذلك- بأسماء بعض المصادر التي اكتفى في المقدمة بذكر مؤلفيها إهمالا لمسمياتها، كنحو إسناده إلى «قدامة» في كتابه «الخزانة» ، وليس «الخراج» كما توهم البعض.
ثالثا- أن جل اعتماد «الإدريسي» في جمع مادته على الجوالة والتجار، أو بمصطلح عصرنا «شاهد العيان» ، ولذا كثيرا ما تطالعنا في ثنايا الكتاب مواد مسندة إلى هذا الصنف من المصادر، كنحو قوله: «ولقد أخبر بعض السفار الثقات، وكان قد تجول في بلاد السودان نحوا من عشرين سنة ... » ،وهذا مشهور معلوم، يعلمه تجار أهل تلك البلاد، ويحكونه عنهم» ، «وحكى بعض المسافرين إلى مدائن كوار أن ... » ، «حكى بعض المخبرين أن ... » ،
«ونأتي فيه بما ذكره المتجولون، ونقله المسافرون، واتفقت عليه أقاويل الناقلين، حسب الطاقة ومبلغ الجهد» .
رابعا- أن كل ذلك قد امتزج امتزاجا طيبا بمشاهدات «الإدريسي» عينه، وخبراته كرحالة وجغرافي وخرائطي([45]).
تقويم مادة الكتاب:
لم يقتصر «الإدريسي» في «النزهة» - كما قدمنا- على الجغرافية الطبيعية البحتة، بعناصرها، وإنما عني إلى جانبها بالجغرافية البشرية بشتى عناصرها المتاحة لديه، بما يخدم مجالات المعرفة الأخرى، من اجتماع ونظم وعقائد وتأريخ وأدب ... كما لم ينحصر دوره فيها على جمع وتنظيم المعلومات في أبواب وفصول، وإنما كان- علاوة عن ذلك- صاحب رؤية علمية، وذوق فطري سليم، صاحبا أكثر مادة الكتاب، وتبديا في عقد كثير من الموازنات بين ما شهرت به المدن لديه من بناء وعمارة، أو مزروعات ومعادن، أو معايش وتجارات، وما وصف به بعض الأجناس البشرية في مواضع بالجمال الفائق، وفي أخرى بالقبح الفاحش، مع التعليل في كل، وما تطرق إليه من تعديد أنواع الصنف الواحد من المخلوقات، والموازنة فيما بينها من خصائص وصفات، على نحو ما سوف يطالعك من تعديد للموز والأسماك والحديد، والتعريف ببعض الحيوانات، وطرقهم في تحصيل معايشهم بصيد «الأسماك» و «الحيتان»
و «القردة» ، أو استخراج «الملح» من الملاحات، أو جمع «القرنفل» و «العود» ، وما يتطرق إليهما من الغش والتدليس.
يضاف إلى ذلك استبعاده لمئات من الخرافات التي وردت فيما اطلع عليه من مؤلفات، ورد الكثير منها بالمنطق المعقول، ومنه قوله:
« ... وحكى الجاحظ في كتاب الحيوان أن هذه الدابة (الكركدّن) تقيم في جوف أمها سبع سنين، وأنها تخرج رأسها وعنقها من فرج أمها، فترعى الحشيش، ثم تعيد رأسها إلى جوف أمها، فإذا ابتدأ تكون قرنها امتنعت عن الخروج للرعي على حسب عادتها، فتنقر في جوف أمها حتى تبقر جوفها، وتخرج، فتموت الأم.
وهذا محال من قوله، غير مسموع، لأن الأمر لو كان كما وصفه لفني هذا النوع حتى لا يوجد إلا ذكره» .
وإن لم يسلم «الإدريسي» مع ذلك من التسليم ببعض الخرافات والأخطاء العلمية، التي أملتها عليه طبيعة العصر، وقصور ما تحت يديه من المصادر والروايات، كنحو قوله بجبل «قاف» ، واعتقاده بثبات الأرض وسط قبة الهواء، ودوران الكواكب الأخرى حولها، وقتل بعض الحيات للناس بالنظر، والتسليم بولادة السلاحف والأسماك وإرضاعها لصغارها، ومسخ الظالمين إلى تماثيل حجرية، وتطاير الأقزام من البشر في الهواء إيذانا بإتيان الرياح.. وإن سلم في معظمها بأنها «عجائب يقع واصفها في حد التكذيب» أو أنها «أمور لا تقبلها العقول من جهة الإخبار عنها، لكن الله على ما يشاء قدير» .
ولذا تفاوتت القيمة العلمية لأجزاء الكتاب، تبعا لتفاوت ما توفر لمؤلفه من مادته، بحيث لا ترقى معلوماته عن «مصر» أو «الصين» إلى منزلة تلك الواردة بشأن «جزيرة العرب» و «المغرب» و «صقلية» و «الأندلس» ... وهكذا([46]).
2 – البكري :
مولده ونسبه ونشأته :
هو عبد الله بن عبد العزيز بن محمد بن أيوب بن عمرو البكري المشهور خاصة بكنيته: «أبو عبيد» ولد بلبلة من عائلة عربية يرجع أصلها الى قبيلة بكر وائل تولى الكثير من أفرادها مناصب رسمية بالأندلس ولكن لا نعرف شيئا يذكر عن أوائل هذه العائلة ولا عن الفترة التي استقرت فيها بالأندلس.
وأول بكري حفظ لنا التاريخ اسمه هو أحد أجداد أبي عبيد ويسمى أيوب بن عمرو البكري تولى في الربع الأخير من القرن 4 هـ/ 10 م منصب القضاء ببلده ثم ولي خطة الرد (أي ردّ المظالم) بقرطبة ويبدو أنه كان له تأثير كبير إذ نجده مع أخيه محمد يلعب دورا هاما في المصالحة بين الخليفة هشام , ووزيره المنصور بن أبي عامر سنة 387/997.
وبعد ذلك بقليل نجد العائلة مستقرة بولبة ثمّ بشلطيش وهي جزيرة صغيرة على مصبّ الوادي الكبير بالقرب من اشبيلية ولكن لا نعلم بالضبط متى كان ذلك الاستقرار.
ويبدو حسب ابن الأبار الذي يستشهد بابن حيان ان محمد بن أيوب قد تولى حكم تلك الجهة وبقي على ذلك الى وفاته المحتمل حدوثها حوالي سنة 433/1040. فهل يمكن أن نعتبره أميرا مستقلا بتلك الرقعة الصغيرة؟ إنه من العسير أن نجزم بشيء في الموضوع ولكن يظهر أنه استقل سنة 402/1011- 1012 والمؤكد على كلّ حال هو أن العائلة كانت من أنصار المنصور بن أبي عامر أي انها معارضة للخليفة الأموي وكانت لها علاقات متينة بإسماعيل بن عباد وهو من أوائل الذين استقلوا بإشبيلية عن الحكم المركزي. فلا يستبعد اذن أن يكون محمد بن أيوب قد اتبع مثال اسماعيل بن عباد.
وتولى الأمر بعد وفاة أبي زيد محمد ابنه أبو مصعب عبد العزيز بن محمد فسير مقاطعته الصغيرة المتكونة من ولبة وشلطيش في استقلالية كاملة وكان ثاني أمير لها حسب بعض الآراء والأول والوحيد حسب بعض الآراء الأخرى. ودام له الأمر الى سنة 443/1051 حين استولى المعتضد بن عباد صاحب اشبيلية على مقاطعة لبلبة المجاورة، نعم لقد تمكنت قوّة المعتضد المتصاعدة منذ حوالي عشر سنوات من ابتلاع عدد كبير من المدن- الدويلات- والحاقها بمملكته التي كان يريد أن يكوّن حولها من جديد وحدة الأندلس. ولم تغير الروابط التي جمعت من القديم بين عائلة البكري وبني العباد من المشروع شيئا وتراءى الخطر لعبد العزيز فسلم مدينة ولبة لبني العباد وبقي مدّة في جزيرة شلتيش واضطرّ في نهاية الأمر الى التفريط فيها مقابل عشرة آلاف مثقال وغادرها مع عائلته وأمواله.
وكان لعبد العزيز اذاك ابن ما هو الّا صاحبنا عبد الله، ولا يذكر لنا أي مصدر تاريخ ولادة هذا الذي سيكنّى من بعد بأبي عبيد ولكن يمكن لنا أن نحاول ضبط هذا التاريخ ببعض الدقة.
يقترح قاينقوش في ترجمته لنفح الطيب للمقري سنة 1040 م (431- 432 هـ) بدون أن يذكر المصادر التي يعتمدها ويشير بروكلمان إلى نفس السنة ويستحيل في رأينا قبول هذا التاريخ وذلك لعدّة أسباب.
ان ولد أبو عبيد سنة 432/1040 م فإن ذلك يقتضي أن يكون سنه حوالي 11 سنة عندما أطردت عائلته من شلطيش الا أن ابن الأبار يتحدّث عنه وهو من «الفتيان بذ الأقران جمالا وبهاء وسرورا وأدبا ومعرفة» وهي تعابير يعسر اطلاقها على طفل في مثل تلك السن. هذا وتؤكد ترجمات البكري على انه توفي سنة 487/1094 «عن سن متقدمة» ولا تسمح 54 سنة التي قد يكون عاشها ان افترضنا ولادته سنة 1040 باعتباره قد توفي. «عن سنّ متقدّمة» حتّى في عهده.
يذكر لنا الفتح بن خاقان انه التقى به وهو ما زال غلاما والبكري إذ ذاك في سن الثمانين .
ويستنتج من كلّ هذا ان ولادة البكري يجب أن توضع حوالي سنة 400/1010 أو بعد ذلك بقليل وانه كان له عندما غادر مسقط رأسه 37 أو 38 سنة.
ويوجد أيضا بعض الغموض حول المكان الذي انتقل اليه عبد العزيز وعائلته عندما خلعه المعتضد: فابن الأبار وابن عذارى وغيرهما يذهبون الى أنه انتقل الى قرطبة ليضع نفسه تحت حماية أبي الوليد محمد بن جوهر حاكم المدينة. الّا أن ابن عذارى نفسه يرى في موضع آخر من كتابه «انه صيره الى اشبيلية وأجرى عليه الرزق الى أن مات» .
ومن العسير أن يفضّل المرء إحدى الروايتين عن الأخرى فهل يمكن التأليف بينهما بافتراض ان عبد العزيز قد أقام مدّة قصيرة باشبيلية ولما شعر بتغير موقف المعتضد إزاءه انتقل بعائلته الى قرطبة وعلى كل فإننا لا نجد أي حديث عن عبد العزيز بعد هذه الفترة ويمكن أن يفترض ان موته لم يتأخر كثيرا عن ذلك.
ولا نعلم كم بقي أبو عبيد بقرطبة وهل تركها في حياة والده أم بعد وفاته والذي لا شك فيه هو أنه بقي بما فيه الكفاية كي يواصل ثقافته الأدبية والعلمية فابن بشكوال يعلمنا أنه تابع دروس ابي مروان ودروس المؤرخ الكبير أبي حيان والمؤكد انه اتبع أيضا بقرطبة دروس أبي بكر المشعفي وابن عبد البرّ ولا يمكن أن نعرف أي تآليفه ألّف (ان كان قد ألف) مدة هذا المقام الأول بقرطبة لأن تواريخ تآليفه غير معروفة ولكن الكثير من القرائن تبين انه لم يكن عديم الشغل وان الكثير من تآليفه قد تكون ظهرت في تلك الفترة ويبدو حسب خبر لابن حيان نقله الفتح بن خاقان وحكاه أيضا ابن الأبار في شيء من الاحتراز ان البكري قد انتقل من بعد الى المرية بدعوة من أميرها محمد ابن معن ولا شك أن سبب هذه الدعوة كانت شهرة الرجل بصفته أديبا واستقبله حاكم المرية بترحاب وجعله من خلانه وانقسمت حياة أبي عبيد بين حياة البلاط والدراسة وتابع في المرية دروس العذري ولا يستبعد أن يكون هذا الشيخ قد أثر في الاتجاه الذي ستتخذه دراسة تلميذه فلقد كان العذري جغرافيا وقد يكون جلب أبا عبيدة نحو هذه الوجهة فهل من الجرأة أن يفترض أن تأليفه لكتبه الجغرافية: معجم ما استعجم وكتاب المسالك والممالك يرجع إلى هذه الفترة ويتأكد هذا الافتراض أكثر إذا ما علمنا انه انتهى من تأليف الكتاب الثاني حوالي سنة 460/1058 اعتمادا على الكثير من الملاحظات المتناثرة التي وردت فيه.
ولم تكن حياة البكري بالمرية مضطربة حسب الظاهر فمترجموه لا يذكرون لنا أشياء عديدة تتعلق به وتراجمه مقتضبة أشدّ الاقتضاب لا يتجاوز غالبها بضعة أسطر.
وذهب البكري سنة 478/1085- 1086 الى اشبيلية موفدا من قبل محمد بن معن لدى المعتمد بن عباد عندما ذهب الى المغرب الأقصى يستنجد بعون المرابطين ضدّ التهديد النصراني فهل بقي البكري باشبيلية أم رجع الى المرية. نحن مضطرّون مرة أخرى الى الافتراضات، ونجده من جديد سنة 483/1090- 1091 بقرطبة التي أصبحت عاصمة الأندلس بعد احتلال المرابطين لها والراجح انه قضى بها بقية حياته بين الدراسة والحياة اللاهية مع أصدقائه وبها توفي أيضا ودفن بمقبرة أم سلامة ([47]).
تآليف البكري:
لم يتخصص البكري في أي فرع من فروع المعرفة الانسانية شأنه في ذلك شأن جلّ العلماء المسلمين في القرون الوسطى. لقد كان تكوين الرجل المثقف في تلك الفترة يشتمل دائما على دعامة متينة من العلوم الدينية، فقه، علوم قرآنية، علم كلام، ثم يأتي الأدب واللغة والفلسفة ومواد أخرى حسب الإمكانيات والأذواق الشخصية فلا غرابة إذن ان نجد ضمن تآليف البكري مصنفات تبحث في مواضيع مختلفة.
فالبكري لغوي وأديب قبل كلّ شيء رغم أنه اشتهر بصفته جغرافيا في المشرق والمغرب ويكفي للتفطن الى ذلك أن يستعرض القارئ عناوين الكتب التي تنسب اليه فالأدب له دور كبير في أكبر آثاره الجغرافية أما معجمه الجغرافي فهو كتاب لغة قبل كلّ شيء.
إن الكثير من تآليفه قد ضاعت ولا نعرف منها الّا العناوين، نكتفي إذن بتقديم قائمتها (عدا شعره الذي لم تصلنا منه الا بعض الأبيات- وقيمتها هزيلة- المتناثرة خلال تراجمه) .
1- في اللغة والأدب:
- كتاب الإحصاء لطبقات الشعراء- كتاب اشتقاق الأسماء- التنبيه على أغلاط أبي علي في أماليه- شفاء عليل العربية- كتاب صلة المفصول في شرح أبيات الغريب المصنف (لأبي عبيد القاسم بن سلام) - فصل المقال في شرح كتاب الأمثال (لابن سلام أيضا) .
- اللآلي في شرح أمالي القالي.
2- الجغرافية:
- معجم ما استعجم- كتاب المسالك والممالك
3- موضوعات مختلفة:
- اعلام نبوة نبينا محمّد- التدريب والتهذيب في دروب أحوال الحروب- كتاب النبات
أما عن كتابه المسالك والممالك:
هذا العنوان (المسالك والممالك) حمله أكثر من كتاب لأكثر من مؤلّف جغرافىّ. فهناك (المسالك والممالك) لأبى جعفر أحمد بن الحارث بن المبارك الخزّاز ت 258 هـ، و (المسالك والممالك) لأبى العبّاس جعفر ابن أحمد المروزىّ ت 274 هـ. ويقول صاحب (الفهرست) إنه أوّل من ألّف كتابا فى المسالك والممالك.
وممن ألّفوا كتبا بهذا العنوان: أبو العبّاس أحمد بن محمد بن مروان ابن الطيّب السّرخسى ت 286 هـ، ومنهم: أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن نصر الجيهانى ، ومنهم: عبيد الله بن أحمد بن خرداذ به ت 300 هـ، ومنهم: أبو زيد أحمد بن سهل البلخى ت 322 هـ.([48]).
صيغة التأليف ومحتواه:
مما لا شك فيه أن كتاب المسالك والممالك كانت له المساهمة الكبرى في شهرة البكري. وهذا الكتاب لا يشبه أي كتاب آخر من نفس الفن رغم تداول هذا الاسم في الأدب العربي. فليس هو مجرد سرد للمسالك كما هو الشأن بالنسبة الى سميه كتاب ابن خرداذبه ولا هو مجموعة ملح وغرائب وأساطير بدون تنظيم مثل كتاب البلدان لابن الفقيه ولا هو أيضا حوصلة لرحلات كاتبه مثلما هو الشأن بالنسبة الى المقدسي والاصطخري.
ولا يمكن لمسالك البكري أن يصنف في فن العجائب ولا في نوع كتب الهيئة وانما يجمع كتاب البكري كل ذلك فتتوالى فيه المسالك ووصف البلدان والشعوب والمدن وتمتزج بالملح والأساطير والاستطرادات التاريخية ويبقى انتباه القارئ دائم اليقظة.
ولا يوجد مع الأسف أي واحد من المخطوطات العشرة كاملا وحتى إذا ما أضفناها الى بعضها البعض فانها لا تسمح بالحصول على نسخة تامة وان بعض النقول التي أخذناها عن بعض المؤلفين الذين أتوا بعد البكري تهدف- كما سنبين ذلك- الى ابراز محتوى التأليف كما كانت عليه حالته الأصلية.
ويشتمل كتاب المسالك على قسمين متقاربي الحجم.
والراجح ان القسم الأول كان يحتوي مقدمة عامة أو تمهيدا يعتبر اليوم ضائعا ويستهلّ هذا القسم بمقدمة تاريخية طويلة تبدا بمبدأ الخلق وتتعرض لتاريخ الأنبياء من آدم إلى محمد عليهما السلام .
ويتعلق الفصل الموالي بالمعتقدات الدينية وأوهام قدماء العرب يليه وصف لأهم الهياكل الدينية الموجودة أو التي وجدت عند أمم مختلفة: اليونان والرومان والفرس (معابد النار) والصقالبة والصينيون الخ ...
ويبدأ القسم الجغرافي الحقيقي بفصول عديدة في الجغرافية العامة:
الأراضي- البحار- الأنهار- الأقاليم السبعة.
ويستعرض المؤلف بعد ذلك البحار السبعة وأهمّ الأنهار، وبعنوان: ابتداء الممالك نبدأ في القسم الذي تسمّى به كل الكتاب ويتمثل في وصف العالم بلدا بلدا وجهة جهة ومدينة مدينة. ونجد دائما نفس التخطيط: مقدّمة تاريخية- وصف عام للبلاد والسكان والمنتوجات وصف للمسالك (وهذا القسم ضائع في الكثير من الأحيان مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الأندلس) ووصف للبلدان مع قسم تاريخي في الغالب، ويتخلّل كل ذلك بعض الحكايات الغريبة تتصل بأدب العجائب.
والتدرج العام ينطلق من المشرق الى المغرب ويبدأ بالهند فالصين فالترك ثمّ ينتقل الى الشام والتبت والسند ويخصص للفرس فصلا كبيرا مقسما الى قسمين يتعلق الأول بالعائلة المالكة الأولى والثاني بالثانية. ويتبع ذلك بصورة منطقية تاريخ الاسكندر الأكبر ثمّ تاريخ ملوك الاغريق بمصر والشام وتاريخ الروم ويلي ذلك ملوك السودان ثمّ البربر وبلاد واحات افريقيا ثمّ أوروبا فيتحدّث البكري عن الصقالبة والافرنج والجلالقة والنورمان ويختم بفصل عن الأكراد.
ويتعلّق كلّ ما سبق بغير العرب ويبدأ القسم الخاص بهؤلاء بتاريخ ممالك العرب القدامى في اليمن والحيرة. ويلي ذلك وصف الجزيرة العربية بصفة اجمالية ثم جهة جهة بداية باليمن. وفي هذا القسم يخصص المؤلف فصلا طويلا لمكة، المدينة المقدسة، تاريخها وأماكنها المقدّسة والجبال التي تحيط بها، ونجد تحاليل متشابهة بالنسبة الى يثرب أو المدينة وينتهي هذا القسم: بالطريق من مدينة النبي الى مصر.
ويبدأ في العراق أيضا بوصف العراق وأهم مدنه وهنا يختلط الترتيب شيئا ما فنرجع الى المشرق بعد العراق: الى فارس أولا ثم الى بابل فخراسان ونواحيها ثمّ الى ما وراء النهر.
ونجد في آخر الجزء الأول بعض المقالات عن بعض الشعوب التركية:
لبجاناكية والخزر والمجغر وبلاد سرير وبرداس وبرجان ويقدم لنا أحد المخطوطات فهرس الفصول انطلاقا من ملوك الحيرة إلى آخر الجزء وكأنه يتمّم فهرسا آخر من المفروض انه مسح الجزء الأول وهذا الفهرس بخط مخالف لخط المخطوط ويمكن أن نتساءل هل انه يرجع للبكري أم أنه من إضافات بعض النساخ.
ويبدأ القسم الثاني بوصف حائط ياجوج وماجوج ورحلة سلام الترجمان. ثمّ يرجع المؤلف الى الشرق الأوسط ويقدم لنا معلومات عن العواصم وعن الشام نفسه بمدنه الرئيسية: دمشق، حمص، انطاكية الخ ... ثمّ يتحدّث عن فلسطين ويأتي بوصف طويل لبيت المقدس. وتتواصل الرحلة في بلاد الروم: مدينة رومة وجزر البحر الأبيض المتوسط وبعض جهات جنوب شرقي أوروبا: طراقية، وطشالية، ومقدونية، وبلاد الانقلش، وينتهي هذا القسم بوصف بلاد الروس.
ثمّ يضمّن المؤلف بعض الفصول التي ليست لها صلة ظاهرة بما يحيط بها وتأتي في مرتبة أولى خصائص عدد من البلاد مثل الشام والعراق ومصر ثم تعداد لكلّ البلاد تقريبا مع ذكر مساحاتها ثمّ يستعرض بتفصيل كل مناطق أرنشهر وينتهي بحساب خراج تلك الجهات.
وتتواصل بعد هذا الانقطاع الرحلة نحو المغرب بفصل طويل عن مصر ينتقل فيه المؤلف من وصف البلاد عامة مع ذكر بعض الخصائص، الى استعراض تاريخها حتّى الفتح الاسلامي. ويعير القسم المخصص للتاريخ القديم قيمة كبرى للعجائب.
ويلي وصف مصر قائمة كور البلاد ثمّ يهتم الكاتب بصفة خاصة ببعض المدن وبعض المسالك وينتهي الفصل بوصف الاسكندرية، وتستأثر المنارة باهتمام كبير.
ويقودنا طريق الاسكندرية- افريقية الى شمال افريقيا، وتتوالى المعلومات عن المسالك ووصف المدن بشيء من التطويل أو التقصير ونجد تحليلات تاريخية طويلة عن الأدارسة وبرغواطة والمرابطين. إنها نفس الطريقة المتبعة بالنسبة الى المشرق.
وعند وصولنا الى أقصى الجنوب المغربي (سجلماسة- أغمات) نتجه الى الجنوب ونخترق الصحراء ونزور بلاد السودان: غانة ومالي الخ ...
ويهتم القسم الأخير من الكتاب بأوروبا الغربية ويبدأ بوصف عام للأندلس ثمّ لتقسيماته فجباله فخصائصه ثمّ تستعرض بعض المدن بداية من قرطبة واشبيلية وتتبع ذلك مقالات عن جليقة وبلاد الافرنج البوتونيين ومن المؤسف انه لم تحفظ الا أجزاء من هذا القسم الأخير وكما سنذكر ذلك من بعد فإنه من الممكن أن نتمم العديد من ثغرات مسالك البكري باستغلال محكم لكتاب الحميري: الروض المعطار ولكن ذلك لا يسمح لنا بترميم مرضي إذ أن صاحب الروض قد جزأ أوصاف المدن لكي يرتبها ترتيبا أبجديا أما الاطار الذي كانت تندرج فيه أي المسالك فإنه قد ضاع نهائيا اللهم إلّا إذا ما عثرنا على نسخ جديدة من كتاب البكري([49]).
المصادر:
نستنتج مما سبق أن عديد المعلومات الجغرافية والتاريخية والأتنوغرافية والاقتصادية قد تراكمت في كتاب المسالك وان تلك المعلومات تتعلق بكلّ العالم المعروف لدى العرب في تلك الفترة. ان هذا الثراء لا يجب أن ينسينا عيب الكتاب الأكبر: البكري لا يحدثنا أبدا عما يشاهده بنفسه وليست له تجربة مباشرة تتعلق بالبلاد التي يصفها وذلك خلافا لأبرز سابقيه من أعلام العصر الكلاسيكي المشرقي أمثال: ابن حوقل والاصطخري والمسعودي ولا يستنتج من أي ترجمة من تراجم البكري انه غادر وطنه بل ان حياته في ذلك الوطن قد انحصرت في رقعة ضيقة بين ولبة واشبيلية وقرطبة والمرية. فلقد كان مضطرا إذن لكي يؤلف كتابه أن يراجع مصادر. نعم لقد كانت تآليف سابقة في متناوله الّا أن ما ينتج عن ذلك هو ان العالم الذي نتصوره من خلال قراءة مسالك البكري ليس عالم القرن 5 هـ/ 11 م بل هو عالم أسبق بقرن أو قرنين الّا إذا تعلق الأمر بمعلومات استقاها البكري مباشرة من رحالة عرفهم أو من مصادر معاصرة له على أن هذه الحالات قليلة وتنحصر في بعض التحليلات المتعلقة بالمغرب والسودان . وبالنسبة إلى ما عدا ذلك فإن البكري اقتبس من مصادر مكتوبة تاريخية وجغرافية وأدبية يمكن أن يفترض أنه كان يمتلكها بصورة شخصية إذ من المعروف عنه انه كان يحب الكتب ويروى عنه انه كان يلفها في «سباني الشرب وغيرها اكراما لها» وأدّى هذا المنهج الى نتيجتين: واحدة ايجابية والثانية سلبية. أما النتيجة الايجابية فإن كتاب المسالك يشترك فيها مع الكتب الأخرى التي تعتمد النقل وتتعلق بحفظ كتب كادت تتلاشى تماما لولا تلك الطريقة ونذكر هنا مثال ابراهيم بن يعقوب الطرطوشي. أما الناحية السلبية فتتمثل في انعدام الطرافة فأغلب نصّ المسالك الحالي معروف من مصادر أخرى ونجد غالبه في طبعات المسعودي وابن رسته وابن عبد الحكم والطبري ...
وينتج عن المنهج النقلي عيب آخر: فلقد تمنّى لفي بروفنصال في المقال الذي خصصه للبكري في دائرة المعارف الاسلامية لو يقع القيام بدراسة لغته حتّى تستخرج جدولا للألفاظ المستعملة والتي فيها تأثير للغة الأندلسية. ونحن لا نعتقد ان مثل هذه الدراسة يمكن أن تؤدي الى نتائج ايجابية اذ من المحتمل أن نجد تلك التأثيرات عندما يستعمل المؤلف مصادر أندلسية الا أنها تبقى لغة المصادر لا لغة البكري وان ملاحظات المؤلف الخاصة من الندرة بحيث يعسر استخلاص نتائج مقنعة.
ويصرح البكري في الغالب بالمصادر التي يستعملها الى حدّ أنه من الميسور اعداد قائمة في مؤلفيه المفضلين والدراسة المدققة للمسالك تبين لنا منهجه في استعمال مصادره: انه في بعض الأحيان يذكرها حرفيا ويستشهد حتّى بالصفحات العديدة لكنه في الغالب يحوصلها ويمزج بينها فيخرج منها نص مؤلف تأليفا جديدا ويسبب هذا المنهج بعض المشاكل لدى تحقيق النص سنلمح اليها من بعد.
ومن المفروغ منه أن تنوع المواضيع المطروقة وكثرة البلاد الموصوفة تجعل الناقل يتخلّى مؤقتا عن هذا المصدر أو ذاك وقد يرجع اليه من بعد. وبعض المصادر مستغلة استغلالا مطولا وبعضها مقتبس منها اقتباسات متواضعة تحوم حول مواضيع محددة ومن المستحيل تفصيل القول في هذا الموضوع في اطار هذه المقدمة ويعسر ذكر المصدر بالنسبة إلى كل فصل وكلّ فقرة فنكتفي اذن بذكر الخطوط العامة.
إن لكتاب المسالك خصائص مميزة تجعل المعلومات الجغرافية دائمة الامتزاج بالمعلومات ذات الصبغة التاريخية لذا ارتأينا أن نعرض المصادر الجغرافية منفصلة عن المصادر التاريخية رغم ان خصائص هذه التآليف التي نجد فيها مواضيع متنافرة لا تجعل من هذا التمييز أمرا ميسورا. فإننا رأينا من المفيد أن نلتجئ إلى هذا التمييز حتّى ندرس الموضوع دراسة أولية.
المصادر التاريخية:
يعترضنا اسم الطبري منذ الأسطر الأولى لكتاب المسالك وسيتكرر ذكره خلال القسم الأول خاصة في الفصل المتعلّق بالأنبياء وملوك الفرس وملوك اليمن وسنجد الاسم أيضا في فقرات متعددة مخصصة لمدن أو بلاد مثل كرمان والمدائن. ونجد أمثال هذه الاستشهادات في حوالي 130 فقرة وتبدأ بإحدى العبارات التالية:
الطبري- أبو جعفر- محمد بن جرير- أو بحرف: ط فقط .
ويستشهد بمؤلف آخر مشهور- هو المسعودي- أكثر من الاستشهاد بالطبري.
وهما بالتداول مصدرا الحديث عن تاريخ الأنبياء وملوك اليمن. والمسعودي هو المصدر الأساسي في العديد من الفقرات التي تتناول البحار والأنهار وتاريخ ملوك الحيرة وأهل الشام والنبطيين والأكراد والسودان وتاريخ مصر القديمة. وكل الفصل المتعلق بمعتقدات العرب مقتبس مباشرة من المروج وكذلك الأمر بالنسبة الى ملوك مصر اليونانيين وملوك الروم الأولين وبعض الفقرات المتعلقة بالصقالبة وشعوب القوقاز، وفي الجملة فإن حوالي 330 فقرة تعدّ مقتبسة من المسعودي بصورة موجزة، وعندما يذكر المسعودي صراحة فإنه يذكره بالصيغ التالية: المسعودي أو أبو الحسن أو بحرف س .
وبالإضافة الى هذين المصدرين الأساسيين فإن البكري يستعمل عديد المصادر الأخرى في فصل معين أو مسألة مخصصة فلقد استشهد بكتاب المعارف لابن قتيبة حوالي عشرين مرة في الفصل المتعلّق بالأنبياء ويرمز اليه عندما يذكره بحرف: ق ويستشهد في نفس هذا الفصل بالقرظي أو بأبي حفص القرظي والتأليف الذي يذكر في المرة الأولى هو التاريخ وفي المرة الثانية هو: الديوان. ويشير فؤاد سيزكين إلى تفسير لا نعرف عنه شيئا يذكر منسوبا إلى محمد بن كعب القرطبي فيمكن أن نتساءل هل ان المقصود هو نفس الشخص وهل ان التأليفين المذكورين هما لمؤلف واحد أم لا؟.
ونجد في نفس الفصل المخصص للأنبياء ذكرا لشخص يسمى القوطي .
ويختفي في الحقيقة وراء هذه النسبة المؤرخ بولس أوروزيوس Orosius Paul الذي ألف كتابه «سبعة كتب تاريخية ضدّ الوثنية» بطلب من القديس أغوستينيوس Augustin Saint +ونحن نعلم ان كتاب هذا الراهب الأندلسي قد ترجم الى العربية في البلاط الأموي بقرطبة وعلى الراجح في عهد عبد الرحمن الثالث . وبرجوعنا الى المخطوط الوحيد المعروف من هذه الترجمة والمحفوظ في جامعة كولبيا بنييورك أمكن العثور على الفقرات التي استشهد بها البكري في صيغتها الحرفية تقريبا واقتبس البكري من أوروزيوس أيضا في تحريره للفصول المتعلقة بالاسكندر الأكبر ومن تولى بعده وبأباطرة الرومان (الفقرة رقم 468 وما تلاها) وقد تمكنا في هذا المضمار أيضا من العثور على عديد الاستشهادات الحرفية. ويستشهد البكري في القسم الأول من المسالك بمؤلف آخر يتردد اسمه بكثرة في تاريخ مصر القديمة ويسمى الوصيفي وكثيرا ما يكتب اسمه الوصفي . والراجح أن هذا الشخص هو إبراهيم وصيف شاه صاحب كتاب العجائب الذي ترجمه كارادي فو. أما النص العربي فإن ناشره نسبه خطأ إلى المسعودي بعنوان أخبار الزمان .
وقد وجدنا استشهادا منسوبا صراحة إلى صاحب كتاب العجائب (انظر الفقرة 311) في الطبعة الثانية للنص العربي ص ص 45- 46. وقد لاحظنا هذه الاقتباسات على الأقل بالنسبة إلى 120 فقرة من المسالك خاصة الفقرات 304- 328 و 914- 991. الّا أن نص البكري هو في الغالب أطول من نص واصف شاه مما يجعلنا نفترض انه كان بين يدي البكري النص الكامل وان ما وصلنا هو مختصر.
وبالنسبة إلى تاريخ مكة في الجاهلية فإن البكري يعتمد كثيرا أخبار مكة للأزرقي وتتعلّق الاقتباسات خاصة بالفقرات 646- 676 والتعرف على مصادر البكري بالنسبة إلى القسم المتعلق بالمدينة أعسر، فكثير من الفقرات نجدها في كتابي السمهودي: وفاء الوفاء في أخبار دار المصطفى. وخلاصة الوفاء بأخبار دار المصطفى فالراجح اذن ان البكري والسمهودي قد اعتمدا نفس المصادر خاصة ابن زبالة (القرن 2/8 م) .
ويمكن أن نلاحظ نفس الملاحظة بالنسبة الى وصف بيت المقدس وتاريخها ففي المسالك الكثير من الفقرات المشابهة لما ورد في كتاب: الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل لمجيز الدين (860/1456- 928/1522) .
ويعتمد البكري في جزء كبير من تاريخه لفتح مصر (الفقرات 992- 1014) وفي بعض ما يتعلق بفتح المغرب (الفقرة 1093 وما يليها) على ابن عبد الحكم في كتابه فتوح مصر وأخبارها.
أما المقال الموجز المخصص لمدينة البصرة فإنه مستمدّ مباشرة من فتوح البلدان للبلاذري (الفقرة 730) ونجد استشهادا واحدا من كتاب يغتبر الآن مفقودا هو تاريخ ابن خرداذبه (الفقرة 132) وسنعود أسفله إلى هذا المؤلف وتأليفه الجغرافي.
ويعتبر كتاب المسالك والممالك لمحمد بن يوسف الوراق أحد مصادر البكري الأساسية بالنسبة الى كلّ ما يتعلّق بالمغرب سواء كان مادة تاريخية أو جغرافية ويذكر الوراق عادة باسم محمد بن يوسف .
لقد سبق لنا أن أشرنا الى أن البكري لم يسافر قط وان أفقه بقي محدودا لا يتجاوز جهته وإنه التجأ إلى المصادر المكتوبة عوضا عن تجربته المباشرة حتى بالنسبة إلى وصف الأندلس. إن مخبره الأساسي سواء بالنسبة إلى المادة التاريخية أو الجغرافية هو أحمد بن محمد الرازي المؤرخ والجغرافي الأندلسي الكبير الذي يعتمده كل المؤلفين لموالين لكن من العسير أن نتبين هل انه استعمله مباشرة أم عن طريق شيخه العذري.
ولنذكر في نهاية حديثنا عن المصادر التاريخية رأى لفي بروفنصال القائل إن البكري قد اعتمد بقرطبة على وثائق الأرشيف الرسمي لكتابة بعض الفصول خاصة منها المتعلقة بالأدارسة وبرغواطة. ان الأمر راجح لكن لا يمكن أن نتجاوز الترجيح طالما لم نعثر على معطيات اضافية([50]).
المصادر الجغرافية:
لقد أشرنا الى العديد من المؤلفين والكتب خلال عرضنا للمصادر التاريخية فلن نعود الى ذلك هنا وينطبق الأمر على ابراهيم وصيف شاه وعلى مروج المسعودي ويذكر البكري مرة على الأقل كتابا آخر من كتب المسعودي هو: التنبيه والاشراف: (الفقرة 342) .
ويعتمد البكري مؤلفين آخرين سبق أن ذكرناهم وهم الأزرقي بالنسبة الى القسم المتعلق بوصف مكة وجهاتها وابن زبالة بالنسبة الى المدينة أما فيما يتعلق بجغرافية شمال افريقيا والأندلس فإننا نجد مرّة أخرى أبا يوسف الوراق والرازي.
وبالاضافة الى هؤلاء المؤلفين الذين سبق أن قدمناهم يستمدّ البكري جانبا هاما من معلوماته من جغرافيين بأتم معنى الكلمة: ويجدر بنا أن نذكر في البداية ابن رسته وكتابه الاعلاق النفيسة الذي يمثل بدون أي شك مصدرا هاما للمسالك خاصة في قسمه الأول ويرمز اليه عادة في الاستشهادات بحرف د وهو أمر غريب حتى أن ناشره الأول كولسن قد قرأ اسمه ابن دستة ونحن مدينون له بالفصول المتعلقة بالأرضين والأنهار والبحار والبيوت المعظمة في الجاهلية بمكة والمدينة وأقسام أرنشهر وكذلك وصف بعض جهات الهند وفقرات تتصل بشعوب أوروبا مثل وصف القسطنطينية ورومة وتعاليق تهم الصقالبة والبلغار.. وفي الجملة فإن حوالي 60 فقرة ترجع كلها أو في جزء منها الى هذا المؤلف.
ونجد من بين الجغرافيين الكلاسيكيين ابن خرداذبه وقد ذكر البكري كتابه المسالك والممالك عديد المرات لكن بعض الاشارات تبين انه لا يقتبس منه مباشرة ولكن من خلال ابن رستة.
ويعتمد البكري على الاصطخري وابن حوقل في بعض التفاصيل المتعلّقة بالسند وكرمان وخراسان ويحيل مرات عديدة على شخص اسمه الجيهاني (فقرات 190- 363- 368 ... ) ونحن نعرف ان جغرافيا- يحمل هذا الاسم- قد ألف في القرن الرابع هـ/ العاشر م كتاب المسالك والممالك لا نعلم عنه الا بعض الاستشهادات حفظها مؤلفون متأخرون عنه ([51]) ويسمى هذا الجغرافي عادة: أبو عبد الله محمد بن أحمد بينما يذكره البكري مرّة (الفقرة 190) في شيء من الدقّة فيسميه أبا نصر سعيد بن غالب الجيهاني. وعلى كلّ فإن بعض الاستشهادات توجد عند ابن رسته ولنترك جانبا مشكل العلاقة بين ابن رستة وابن خرداذبة والجيهاني ([52]) ولنتساءل هل أن البكري رجع مباشرة الى المصدر أم اقتبس من خلال كتاب آخر وهذه بعض معطيات تسمح باجابة أولية: يذكر البكري الجيهاني على الأقل مرّة واحدة من خلال مصدر آخر يسميه أحمد فمن المقصود؟ نعلم أن ابن رستة اسمه أحمد ولكن البكري لا يسميه بهذا الاسم قط في المواضع الأخرى فمن المستبعد اذن أن يكون صاحب الاعلاق النفيسة. ويعرف البكري حقّ المعرفة شخصا آخر اسمه أحمد هو العذري شيخه بالمرية فهل من المجازفة أن نفترض أن البكري قد تعرف على الجيهاني من خلال تأليف شيخه الذي يسمى هو أيضا المسالك والممالك؟
ومن المرجح أيضا أن حكاية ابراهيم بن يعقوب التي يذكرها البكري مستمدة من تآليف العذري ومن غير المستبعد أن تكون الكثير من المعلومات التي يوردها، بدون ذكر مصدر، مستمدة من نفس الأصل فيكون العذري بهذه الصورة من مصادر كتاب المسالك الأساسية خاصة فيما يتعلق بأوروبا (مجدونية وطشالية وطراقية الخ..) والبحر الأبيض المتوسط ورومة...
وفي الختام يبدو لنا أنه توجد آثار كتاب البلدان لليعقوبي (مثلا في جزء كبير من الأخبار المتعلقة ببغداد) وبعض الاستشهادات من ابن الفقيه ومن كتاب الأمصار للجاحظ ولئن لم تكن هذه اللمحة عن مصادر البكري شاملة فإنها تقدم لنا فكرة عن تنوع المادة التي تمكن من جمعها لتأليف كتابه الرئيسي هذا ([53]).
3 - ليُون الإفْريقي – الحسن الوزان -
مولده ونسبه ونشأته :
هو الحسن بن محمد الوزان، أبو علي، الغرناطي أصلا، الفاسي دارا، المسمى في أسره يوحنّى الأسد Jean Leon والمعروف عند الإفرنج باسم ليون الافريقي Africain،L Leon: جغرافي من العلماء، رحالة، مؤرخ أندلسي. ولد في غرناطة، وهاجر طفلا مع أبيه وبعض أقاربه إلى (فاس) فتعلم بجامع (القرويين) وكان من أسرة وجيهة، فانتدب أبوه لبعض السفارات والوساطات السياسية، ثم انتدب هو لمثل ذلك، فتيسرت له الرحلة إلى أكثر بلدان إفريقية الشمالية والشرق الأوسط. وحج سنة 921 ودخل الأستانة ومصر وطاف بلاد المغرب الأقصى، وزار. (تمبكتو) عن طريق درعة وعاد منها عن طريق سجلماسة. وحضر حروبا بين البرتغال والشريف محمد السَّعْدي (القائم بأمر الله) وأسره قرصان من الإيطاليين سنة 923 هـ (في رواية) Gregoire أو 926 (في رواية الحجوي) قرب جزيرة جربة. وأخذوه الى نابلي وعرفوا أنه من أهل العلم فقدموه هدية الى البابا ليون العاشر الملك برومية، ومعه كتبه وأوراق رحلته. وكانت للبابا عناية بعلوم العرب، فأكرمه وأدخله في خاصته وسماه (جان ليون) وكان صاحب الترجمة يكتبها بالعربية (يوحنّى الأسد) وأشيع أنه تنصر، وما من دليل يؤكّد ذلك. وتعلم الإيطالية واللاتينية، وكان يحسن الإسبانية والعبرية. وطلب منه البابا أن يترجم رحلته إلى الإيطالية، ففعل. وأذن له بتدريس العربية في كلية بولونية ((Bologne وبعد موت البابا (سنة 927 هـ دخل تحت حماية الكردنال جيل (Gilles de Niterbe) وعلمه العربية. وصنف في خلال ذلك (معجما طبيا) عربيا لاتينيا عبريا، لا تزال أوراق منه موجودة، بخطه. أنجزه سنة 930 كما أنجز (سنة 932) في رومية، ترجمة (وصف إفرقية) الى الإيطالية، وفيه كثير من حوادثها التاريخية، أوردها وعلل أسبابها ونتائجها، وهو القسم الثالث من كتاب له ألفه في (الجغرافية العامة) وطبع هذا القسم سنة 1550 م بايطاليا، وأعيد طبعه عدة مرات: سنة 1554. 1588، 1606، 1613، 1830 وترجم إلى اللاتينية وطبع بها. ونقله جان طمبورال Jean Temporal الى الفرنسية عن طبعتي 1550 و 1554 الإيطاليتين، وصدره بمقدمة وجيزة وطبعه سنة 1556 بمدينة ليون ((Lyon ثم تكرر طبعه في أنفيرس وليدن وباريس وهولندة (سنة 1665) وانجلترة سنة 1600 و 1896 وطبع بالألمانية عدة طبعات، وهو في ثلاثة أجزاء ضخام، عدد أوراق الواحد منها 300 الى 400 قال الحجوي: زد على ذلك أن أول كتاب جغرافي فني يصح أن يطلق عليه هذا الاسم انما ظهر في أواسط القرن السادس عشر بألمانيا، وكتاب الوزان عرف قبل ذلك، فهو إذن أول كتاب فني جغرافي ظهر بأوربا، وكان في طليعة الكتب التي ابتدأت بها (المطبعة) بفرنسة، فتأثيره في (النهضة الأوربية) مما لاشك فيه. وقد عاد الوزان (ليون الإفريقي) الى بلاده حوالي سنة 934 هـ (1527 م) قال جريجوار: ومات على أكثر الروايات، مسلما في تونس نحو سنة 1552 م. ومن كتبه أيضا (مختصر تاريخ الإسلام) كرر ذكره في كتاب رحلته، و (تاريخ إفريقية) و (مجموع شعري) في الوعظ والزهد، نقله عن الأضرحة وأهداه الى أخ للسلطان، عند وفاة أبيه. وله رسالة باللاتينية في (تراجم الأطباء والفلاسفة العرب) طبعت سنة 1664 م. وصنف كتابا في (العقائد والفقه الإسلامي) أحال إليه في كتابه عن إفريقية، كما ذكر كتابا له أو رسالة في (الأعياد الإسلامية) و (كتابا في النحو) أشار إلى أنه ذكر في القسم الأول منه أوزان الشعر. وأتى الشيخ محمد المهدي الحجوي على ما أمكن جمعه من أخباره، في (حياة الوزان الفاسي وآثاره - ط) وفي مكتبة الأسكوريال معجم عربي اسبانيولي (مخطوط، رقم 598) من تأليفه، أخبرني الأستاذ سعيد الأفغاني أنه رآه في رحلته سنة 1956 سماه Vocabulaire arabe - espagnol Par Jean Leon L ; Africain وفي نهايته، بالعربية: (فرغ من نسخ هذا الكتاب العبد الفقير مؤلفه يوحنا الأسد الغرناطي المدعو قبل الحسن بن محمد الوزان الفاسي، في أواخر ينيّر عام أربعة وعشرين لتاريخ المسيحيين الموافق لعام ثلاثين وتسعمائة لتاريخ المسلين وذلك بمدينة بلونيا من بلاد إطاليا برسم المعلم الحكيم الطبيب الماهر يعقوب بن شمعون إلخ) ([54]) .
أسلوبه في كتابه وصف أفريقيا:
يتسم أسلوب الوزان بالخصوبة ويحتوي على مصدر غزير بالمعلومات والوصف الدقيق لإفريقيا.
فهو يقسم أفرقيا إلى أربعة أقسا: هي بلاد البربر، نوميديا ـ ليبيا ـ وبلاد السودان. ثم قسم كل قسم من الأقسام الأربعة إلى ممالك، الأولى: مملكة مراكش، الثانية: مملكة فاس، والثالثة: مملكة تلمسان، والرابعة: مملكة تونس. ويذكر لنا أن النيل يمتد من الحبشة في أثيوبيا إلى الهند.
وتقسم الصحارى الواقعة بين نوميديا وبلاد السودان إلى خسمة أقسم أطلق على كل منها اسم القوم الذين يسكنون فيه، ويجدون فيه وسائل معاشهم وتقسم بلاد السودان إلى ممالك يكون بعضها مجهولاً مع ذلك بالنسبة لنا وتكون بعيدة عن مدى تجارتنا.
ويقدم لنا تعريفاً عن كلمة «بربر» حيث إنها كانت خالية تماماً من السكان خلال العديد من القرون، ومعنى كلمة بربر أي تمتم. ويرى البعض أن كلمة بربركلمة مزدوجة لأن «البر» في اللغة العربيه يعني الصحراء والبعض يؤكد ان الأفارقة يعودون أصلا لبلاد العرب السعيدة.
ويذهب كثيرإلى أن أصل الأفارقة هم الذين طردوا من بلادهم، ويمتقد البعض إلى أن هؤلاء ينحدرون من قبائل فلسطينية فلجأوا إلى أفريقيا نظرا لخصوبة الأرض. وقسم الأفارقة البيض إلى خمسة أقوام تستعمل هذه القبائل الخمس. التي تبدو منقسمه إلى مئات الأنساب وإلى آلاف المساكن ـ لغة واحدة، يطلق عليها العرب لغة البربر وهي لغة فريدة تختلف عن اللغات الأخرى حيث نجد بعض الكلمات باللغة العربية. والعرب الذين يسكنون أفريقيا قد تم تقسيمها إلى قبائل ـ منها قبيلة بني هلال ـ قبيلة معقل ـ دوي منصور ـ دوي عبدالله. ثم بداً في وصف عادات وأنماط معيشة الأفارقة الذين يعيشون في الصحراء وأنواع الدواب التي كانوا يستخدمونها في معيشتهم وأشار إلى سكان إفريقيا الذين يعيشون على تربية الأغنام والبقر. والديانات القديمة والطقوس التي كانوا يمارسونها. سواء عبدة الشمس أو النار. وظل سكان بلاد البربر وثنيين لفترة طويلة، وأصحبوا نصارى، ثم اعتتقوا الدين الإسلامي.
أما عن نوع الكتابة التي يستعملها الأفارقة فهي اللغة اللاتينية. ويشيرهنا إلى موقع إفريقيا الجغرافي وخاصة المناطق الموحشة الثلجية وأنواع الحبوب التي تزرع في هذه المناطق، وانتشار الغابات الكثيفة وهي مليئة بالحيوانات منها النافع والضار. ثم يوضح حدود أفريقيا وميزات فصولها. وأشار إلى أمد الحياة وطوله عند الأفارقة. وماهي الأمراض الأكثر شيوعاً عندهم ثم يوصف المزايا والأشياء المحمودة لديهم وعيوبهم أيضاً.
وفي القسم الثاني من الكتاب يحدثنا عن مختلف الأقاليم، والمدن والجبال والمواقع والشرائع والعادات، بدأ بالغرب وينتهي عند مصر، ويعالج في سبعة أقسام. أما القسم الآخر فهو خاص بالأنهار الرئيسية ومختلف الحيوانات والنباتات والثمار والبقول التي تمتاز بها أفريقيا.
ومن مؤلفات الوزان كتاب في «الجغرافية العامة» طبع في العديد من الدول. وهو أول كتاب فني جغرافي ظهر في أوروبا. وعاد الوزان إلى بلاده ومات مسلماً في تونس عام 1552 م ومن كتبه أيضاً «مختصر تاريخ الإسلام» وتاريخ إفريقيا» و «مجموع شمرى في الوعظ والزهد»، وله رسالة باللاتينة في «تراجم الأطباء والفلاسفة العرب» عام 1664 م، وصنف كتاب في «العقائد والفقه الإسلامي وله أيضاً رسالة في «الأعياد الإسلامية» و «كتاب النحوه».
وكتاب وصف إفريقيا يعتبر القسم الثالث من كتابه» الجغرافيا العامة» وطبع عام 1550، بإيطاليا وأعيد طبعه عدة مرات عام 1554 ـ 1588 ـ 1606 ـ 1613 ـ 1830 ثم ترجع إلى اللاتينية وطع بها ثم نقل إلى الفرنسية 1550 ـ 1554 وتكرر طبعه في إنمبرس ولابدن وباريس وهولندا 1665 وانجلترا 1600 ـ 1896 ثم طبع بالألمانية عدة طبعات. ترجم هذا الكتاب الدكتور عبد الرحمن حميدة، وراجعه د. علي عبد الواحد ([55]).
الخاتمة :
1- مما سبق تبين لنا أهمية الرحلة وعناية العلماء بها، ولا شك أن هذه العناية أثمرت ثماراً طيبة، وكان لها أكبر الأثر في حفظ التاريخ.
2- رحلة المؤرخون والجغرافيون ثمرة من ثمار العناية بالدين والتاريخ والإنسانية حيث نشط الرحالة في الأسفار، وقطعوا الفيافي والقفار في طلب المعرفة وكشف غوامض الأمور وتعقيداتها، ولهم قصص مشهورة في ذلك تدل على حرصهم واجتهادهم في نقل المعلومة والخبر.
3- حاجتنا اليوم لقراءة سيرهم ورحلاتهم لما لها من عظيم الفائدة في تفسير كثير من الأمور والغرائب في عالمنا المعاصر.
4- تعدد الرحالة في نقل خبر ما عن مكان معين يزيد الخبر توثيقا وتأكيدا .
5- ومن فوائد الرحلة التماس العوالي من الأخبار والأحاديث والروايات 0
المصادر والمراجع :
- الزبيدي: تاج العروس ط : دار الفكر.
- العبدري: الرحلة المغربية
- أوليا چلبي , الرحلة الحجازية, ترجمة: الدكتور الصفصافي أحمد المرسي , ط: دار الآفاق العربيّة , سنة: 1999 م.
- الزركلي الأعلام.
- حسين مؤنس: الجغرافية والجغرافيون في الأندلس.
- عواطف محمّد يونس نواب , الرحلات المغربية والأندلسية. ـ دراسة تحليلية مقارنة, ط: مكتبة الملك فهد الوطنية , سنة: 1417 هـ..
- ابن جبير، محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي، أبو الحسين (المتوفى: 614هـ) , - رحلة ابن جبير, ط :دار ومكتبة الهلال، بيروت.
- ابن جبير , تذكرة بالإخبار عن اتّفاقات الأسفار , ,تحقيق:علي كنعان, ط: المؤسسة العربيّة للدراسات 2008 م.
- المقري , شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى، أبو العباس التلمساني (المتوفى: 1041 هـ) نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب , تحقيق: يوسف الشيخ , محمّد البقاعي , ط: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
- ابن بطوطة , محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، أبو عبد الله، ابن بطوطة (المتوفى: 779هـ) , رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار), ط: أكاديمية المملكة المغربية، الرباط 1417 هـ.
- محمد محمود محمدين/ طه عثمان الفراء , المدخل إلى علم الجغرافيا والبيئة , ط: دار المريخ , الطبعة: الرابعة ردمك – 9960.
- الادريسي , محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الحسني الطالبي، المعروف بالشريف الادريسي (المتوفى: 560هـ) نزهة المشتاق في اختراق الآفاق, ط: عالم الكتب، بيروت ,الطبعة: الأولى، 1409 هـ.
- البكري , أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي (المتوفى: 487هـ) المسالك والممالك , ط : دار الغرب الإسلامي , 1992 م.
- الكرخي , أبو اسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الاصطخري، المعروف بالكرخي (المتوفى: 346هـ), المسالك والممالك , , ط: الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة.
-
ابن الوزّان الزيّاتي وصف إفريقيا , ترجمة :
د. عبدالرحمن حميدة , ط: مكتبة الأسرة.
[1] - ابن القاضي: جذوة الاقتباس، 1/ 286..
[2] - (حاحة) بلدة واسعة بين مراكش وسوس وحيحه بالكسر قبيلة من قبائل سوس مشهورة وحاحة قرب مدينة الصويرة على شاطئ المحيط الأطلسي على مقربة من مغادور بمراكش. (ينظر: الزبيدي , محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: 1205هـ) تاج العروس من جواهر القاموس 6/358 , ط: دار الهداية , وليون الأفريقي , وصف أفريقيا , ص : 107 , ط : مكتبة الأسرة , والجغرافية والرحلات عند العرب، ص 164).
[3] - الزبيدي: تاج العروس، 3/379, ط : دار الفكر.
[4] - عبد الحي الكتاني , محمد عَبْد الحَيّ بن عبد الكبير ابن محمد الحسني الإدريسي، المعروف بعبد الحي الكتاني (المتوفى: 1382هـ) فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات, تحقيق: إحسان عباس , ط: دار الغرب الإسلامي - بيروت ص. ب: 113/5787 الطبعة: الثانية، 1982 والعبدري: الرحلة المغربية، المقدمة،ص: 140، 275 , وأوليا چلبي , الرحلة الحجازية, ص : 21 , ترجمة: الدكتور الصفصافي أحمد المرسي , ط: دار الآفاق العربيّة , سنة: 1999 م.
[5] - عواطف محمّد يونس نواب , الرحلات المغربية والأندلسية. ـ دراسة تحليلية مقارنة ـ ط:: مكتبة الملك فهد الوطنية , 1417 هـ.
[6] - محمد بن عبد السلام بن عبد الله بن محمد بن محمد الناصرى عالم الحديث رحالة من أهل درعة بالمغرب تعلم ببلده وسافر إلى فاس فقرأ على علمائها ورحل إلى المشرق مرتين توفي بالزاوية الناصرية بدرعة له مؤلفات الرحلة الكبرى والرحلة الصغرى. (انظر: الزركلي: الأعلام، 6/ 206.)
[7] - العبدري , الرحلة المغربية , المقدمة .
[8] - المصدر السابق، ص: 7، 188.
[9] - المصدر السابق، المقدمة ص: 1 .
[10] - العبدري: الرحلة المغربية، ص 1 ـ 2.
[11] - المصدر السابق، ص 3 ـ 4.
[12] - العبدري: الرحلة المغربية، ص 13، 66 ـ 67، 132، 138.
[13] - حسين مؤنس: الجغرافية والجغرافيون في الأندلس، ص 523.
[14] - العبدري , الرحلة المغربية , المقدمة.
[15] - عواطف محمّد يونس نواب , الرحلات المغربية والأندلسية. ـ دراسة تحليلية مقارنة , ص : 121, ط: مكتبة الملك فهد الوطنية , سنة: 1417 هـ..
[16] - ابن جبير، محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي، أبو الحسين (المتوفى: 614هـ) , رحلة ابن جبير, ص : 1, ط :دار ومكتبة الهلال، بيروت.
[17] - ابن جبير , تذكرة بالإخبار عن اتّفاقات الأسفار , ص:15 ,تحقيق:علي كنعان, ط: المؤسسة العربيّة للدراسات 2008 م.
[18] - ابن جبير، محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي، أبو الحسين (المتوفى: 614هـ) , رحلة ابن جبير, ص : 1, ط :دار ومكتبة الهلال، بيروت.
[19] - أوليا چلبي , الرحلة الحجازية, ترجمة :الدكتور الصفصافي أحمد المرسي, ص: 20 .
[20] - رحلة ابن جبير ص : 2 .
[21] - المرجع السابق , ص :3 .
[22] - المقري , شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى، أبو العباس التلمساني (المتوفى: 1041 هـ) نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب 3/15 , تحقيق: يوسف الشيخ , محمّد البقاعي , ط: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
[23] - المقري , نفح الطيب 3/17 .
[24] - رحلة ابن جبير , ص :284 .
[25] - ابن بطوطة , محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، أبو عبد الله، ابن بطوطة (المتوفى: 779هـ) , رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) , 1/80 , ط: أكاديمية المملكة المغربية، الرباط 1417 هـ.
[26] - الزبيدي , تاج العروس , 19/159.
[27] - المرجع السابق ص :7 .
[28] - ابن بطوطة , تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار 1/82 .
[29] - ابن بطوطة , رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) , 1/84.
[30] - محمد محمود محمدين/ طه عثمان الفراء , المدخل إلى علم الجغرافيا والبيئة ص: 46, ط: دار المريخ , الطبعة: الرابعة ردمك9960.
[31] - ابن بطوطة: الرحلة، ص 14.
[32] - عواطف محمّد يونس نواب , الرحلات المغربية والأندلسية. ـ دراسة تحليلية مقارنة ـ , ص : 131 .
[33] - ابن بطوطة , الرحلة ، ص 14، 170، 240 ـ 242، 280، 654
[34] المصدر السابق، ص 673، 691.
[35] - ابن بطوطة: الرحلة، 1/70
[36] - رحلة ابن بطوطة , أكاديمية المملكة المغربية , 3/71.
[37] - المرجع السابق 1/78 .
[38] - المرجع السابق 1/79 .
[39] - عواطف محمّد يونس نواب , الرحلات المغربية والأندلسية. ـ دراسة تحليلية مقارنة ـ ص : 136,ط : مكتبة الملك فهد الوطنية 1417 هـ.
[40] - الادريسي , محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الحسني الطالبي، المعروف بالشريف الادريسي (المتوفى: 560هـ) نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ص: 1 , ط: عالم الكتب، بيروت ,الطبعة: الأولى، 1409 هـ.
[41] - عمر رضا كحالة , معجم المؤلفين , 11/236 , ط : مكتبة المثنى - بيروت، دار إحياء التراث العربي بيروت , والزركلي , الأعلام , 7/24 , أحمد بن يحيى بن فضل الله القرشي العدوي العمري، شهاب الدين (المتوفى: 749هـ)مسالك الأبصار في ممالك الأمصار, 3/505 , ط: المجمع الثقافي، أبو ظبي, الطبعة: الأولى، 1423 هـ.
[42] - الادريسي , نزهة المشتاق , ص: 2 .
[43] - المرجع السابق , ص : 4 .
[44] - الادريسي , نزهة المشتاق المقدمة ص :5 .
[45] - المرجع السابق , ص : 7 .
[46] - الادريسي , محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الحسني الطالبي، المعروف بالشريف الادريسي (المتوفى: 560هـ)نزهة المشتاق في اختراق الآفاق 1/8., ط: عالم الكتب، بيروت, الطبعة: الأولى، 1409 .
[47] - البكري , أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي (المتوفى: 487هـ) المسالك والممالك 1/11 , ط: دار الغرب الإسلامي , 1992 م.
[48] - الكرخي , أبو اسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الاصطخري، المعروف بالكرخي (المتوفى: 346هـ), المسالك والممالك , ص : 6 , ط: الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة.
[49] - البكري , المسالك والممالك , 1/16 .
[50] - البكري أبو عبد الله , المسالك والممالك , 1/21.
[51] - المرجع السابق , 1/22 .
[52] - الاصطخري ابراهيم: المسالك والممالك، ص : 55 , ط: غربال، القاهرة 1961.
[53] - البكري , أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي (المتوفى: 487هـ)المسالك والممالك , 1/23: دار الغرب الإسلامي , 1992 م .
[54] - الزركلي , خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي (المتوفى: 1396هـ) الأعلام 2/218 , ط: دار العلم للملايين , الطبعة: الخامسة عشر - أيار / مايو 2002 م
[55] - ابن الوزّان الزيّاتي , وصف إفريقيا , ص: 3, ترجمة : د. عبدالرحمن حميدة , ط: مكتبة الأسرة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق